الأحد، 4 مايو 2025

الدكتور سامح فكري أستاذ الآثار بجامعة أسيوط: الحضارات المختلفة ساهمت في تكوين شخصية مصر

 

الشعب المصري شعب ودود ومضياف وكريم وهذه الصفات اكتسبها عبر الحضارات القديمة

حوار: فارس عز الدين

تعد الثقافة المصرية ثقافة فريدة من نوعها، حيث ساهمت العديد من الحضارات في تكوينها، فلم تكن الحضارة الفرعونية القديمة هي الوحيدة التي شكلت الهوية والثقافة المصرية، أو الحضارة الإسلامية وحدها هي التي فعلت ذلك، وقياسًا على هذا النهج؛ الحضارة اليونانية والرومانية والقبطية أيضًا، فجميعهم شكلوا شبكة متكاملة ساهمت في تكوين الهوية والثقافة والشخصية المصرية.

التقينا بالدكتور سامح فكري، أستاذ الآثار والفنون الإسلامية، ووكيل كلية الآداب بجامعة أسيوط لشؤون الدراسات العليا والبحوث، لنتعرف منه على دور الحضارات المختلفة التي مرت على مصر في بناء وتكوين الهوية المصرية.

س1 كيف أثرت الحضارات التي مرت على مصر في تكوين الشخصية المصرية؟

الحضارات التي مرت على مصر عديدة ومتنوعة، ومصر دولة عظيمة بدأت حضاراتها قبل التاريخ، وقبل أن يدون التاريخ نفسه، فكانت هناك حضارات ما قبل الأسرات، وبعدها حضارات مصر القديمة بعدد أسرات كبير جدًا، ثم جاءت فترة الحضارة اليونانية الرومانية، أو العصور اليونانية الرومانية، ثم جاءت العصور الإسلامية، ويمثل كل من تلك العصور حضارةً مزدهرة بها الكثير من النواحي الحضارية والمعمارية والفنية، التي أثرت بشكل كبير على تكوين الهوية المصرية، ولذا فإن أي شخص مصري أيًا كان مستواه الاجتماعي نجد فيه مقومات الحضارة؛ فالمصري القديم، حينما كان لا يملك سوى نهر النيل، أقام زراعات مختلفة وصنع أدوات تساعده في هذه الزراعة وربط الزراعة حينها بعلوم الفلك ومقياس النيل وفيضان النيل إلى آخره، وهذا خير دليل على أن الموروث الحضاري الكبير الذي تحدثنا عنه خلال كل فترة أو كل عصر مر على مصر، كان له أثر كبير في تكوين الهوية المصرية، وجعل بداخل أي شخص مصري مقومات حضارية هائلة جراء الموروث الحضاري الضخم.

س2 من وجهه نظرك، هل ترى أن هناك حضارة أثرت على تكوين الشخصية المصرية بشكل أكثر من غيرها؟

في الواقع ومن وجهة نظري المتواضعة، لا يوجد حضارة أثرت بشكل أكثر من غيرها، فالحضارات سلسة مترابطة أدت إلى تكوين الهوية والشخصية المصرية، وساعدت في تكوين مقوماتها الحالية، وهناك مرادفات في اللغة المصرية القديمة لا زلنا نستخدمها حتى اليوم، وهناك أيضًا الكثير من الكلمات الأخرى التي نرددها بالعامية مستمدة من اللغات القديمة مما يدل على أن مرادفات اللغة القديمة التي كانت عبارة عن لغة تصويرية أثرت في لغتنا الحالية، كذلك الحضارة اليونانية الرومانية أثرت، والعصور الإسلامية أثرت، وبالتالي لا نستطيع القول بأن الحضارة الإسلامية أثرت بدرجة أكبر أو أن الحضارة اليونانية الرومانية أثرت بشكل أكثر، فجميعهم شكلوا سلسلة متعاقبة أدت في النهاية إلى تكوين شخصية مصرية لها موروث حضاري  ضخم أثر في حياتنا الحالية وسيؤثر في الحضارة المستقبلية.

س3 ما الدور الذي يقوم به قسم الآثار بكلية الآداب في توعية الطلاب والخريجين بأهمية الحفاظ على التراث المصري؟

في الواقع هذه هي رسالة قسم الآثار، بل هي رسالة الكلية أيضًا، فكلية الآداب كلية علوم إنسانية، وبجانب قسم الآثار يوجد بها قسمي التاريخ والجغرافيا وهذه الأقسام الثلاثة تهتم بدراسة الآثار والأحداث التاريخية وتنظر إلى الماضي وتناقش الظواهر المختلفة؛ سواءً كانت ظواهر جغرافية أو ظواهر تاريخية، وكل هذه الأقسام وعلى رأسها قسم الآثار، رسالتها هي توعية الناس بحضارات السلف المزدهرة كي نأخذ منها العظة والعبرة، ونعرف منها تسلسل أحداث الدولة ومراحلها من القوة وحتى التدهور والضعف، ولا ننكر أن هذه الأقسام تعلم طلابها كيفية الحفاظ على تراثنا.

س3 ما رأيك في مقولة: “من ليس له ماضٍ ليس لديه حاضر”؟

مقولة “من ليس له ماضٍ ليس لديه حاضر” تبرز أن نظرتنا للماضي تجعل لدينا نظرة استشرافية للمستقبل، فبدون ماضٍ لن يوجد حاضر، ولذلك فإن الدول التي ليس لها تاريخ أو لها تاريخ قصير تتشبه بنا وتقلدنا وتحاول أن توجد لها حضارة وتوجد لها تاريخ، لأنها تعلم مدى تأثير ذلك على أي مواطن مهما كان بسيطًا، مثلًا عند تحدث أغلب المصريين عن وطنهم مصر، ماذا يقولون، “احنا الأهرامات، احنا الحضارة”، فبالرغم من أن لغتنا العامية كمصريين بسيطة لكن بها عمق، فالمصري يريد أن يقول أنا لدي جذور عميقة مرت عليها أحداث ومرت عليها عصور وتعلمت من كل عصر شيئًا ما.

س4 ما دور وزارة السياحة والآثار في الارتقاء بالقطاع الأثري المصري؟

مرت وزارة الآثار بمراحل كثيرة  قبل أن تصبح وزارة مستقلة، فكانت في فترة سابقة “هيئة آثار” ثم مجلس أعلى للآثار وحاليًا أصبحت وزارة تضم الآثار والسياحة وهذا الاندماج شيء جيد، لأن السياحة تضم داخلها جزءًا أثريًا، فعندما يأتي السياح ويشاهدوا الآثار فإنهم يتعرفون على حضاراتنا الماضية، وعندما استقلَّت الوزارة في الآونة الأخيرة وتحت رعاية رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي، أصبح لها رسالة، وأصبحت الوزارة لا تهتم بزيارة المتاحف أو بزيارة الآثار وحسب؛ لكنها أصبحت تقدم ندوات توعوية، وتهتم بإدخال أدوات الذكاء الاصطناعي في عملها، فأصبحت هناك شاشات بداخل المتاحف، تقدم لك شكل المعابد وتوضح كيف كانت في الماضي، زيادةً على ذلك؛ أصبح من الممكن أن تتجسد أمامك شخصيات تاريخية معينة تحدثك وتشرح لك الأثر، فعلى سبيل المثال، يمكن لمنشئ الأثر أن يأتي إليك عبر هذه الشاشات ويحكي لك تفاصيل أثره وكيف بناه، وهذا كله يساعد على عرض مدى قوة الحضارات المتعاقبة، ويعرف الحاضرين بهذه الحضارات، ومن هنا تتحقق رسالة الوعي والفهم.

س5 ما رأيك في الجهود التي تقوم بها الدولة مؤخرًا في سبيل تعزيز وتطوير القطاع الأثري والسياحي؟

بالفعل هناك تطور كبير جدًا في هذا المجال، فهناك أكثر من متحف تم بناؤه في الفترة الأخيرة، وقد تم بناء بعض هذه المتاحف في الصعيد، مثل “متحف ملوي” و”متحف الغردقة” بالإضافة إلى أنه حاليًا توجد متاحف في كل محافظات مصر، وهذا يدل على المجهود الكبير الذي تقوم به الدولة في هذا الإطار، بجانب العاصمة الإدارية الجديدة التي يوجد بها متحف “عواصم مصر” وهذا المتحف جميل جدًا ويدل على اهتمام  الدولة بالجزء التوعوي وتعريف الناس بالآثار المصرية، وجميعنا شاهدنا مؤخرًا زيارة الرئيس الفرنسي “ماكرون” مع رئيس الجمهورية “عبدالفتاح السيسي” لمنطقة خان الخليلي ومنطقة الجمالية، وهذه المنطقة ما هي إلا بقعة أثرية وتراثية إسلامية، وشاهدنا مدى الترحيب من المواطنين المصريين خلال الزيارة، وهذا نابع من الشخصية المصرية والهوية المصرية، والجميع يعرف أن الشعب المصري شعب ودود ومضياف وكريم وهذه الصفات قد اكتسبها عبر الحضارات القديمة، ولذلك يتعامل الشعب المصري مع الضيف بعطف وودّ، بل إنه يؤثر في المُحتل الذي أتى ليغزو أرضه أو ليغزوه ثقافيًا وفكريًا رغم أنه من المفترض أن يحدث العكس، ويرجع ذلك إلى أن مصر ذات جذور عميقة وجذور تراثية كبيرة، فبدلًا من أن يقوم المحتل بالتأثير يجد نفسه هو من يتأثر بالحضارة والشخصية المصرية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق