الثلاثاء، 6 مايو 2025

محمد عبد اللطيف مساعد وزير الآثار الأسبق في حوار خاص لموقع «موروث»: مصر رقم واحد على العالم في التراث والثقافة كمًا وكيفًا

مصر تمتلك العديد من الكنوز التي لا تُقدر بمال، ولا تُقدر بثمن

حوار: أحمد طه، فارس عز الدين

قال مساعد وزير الآثار السابق والعميد الحالي لكلية السياحة والفنادق جامعة المنصورة، الدكتور محمد عبد اللطيف، في حوار خاص لـ«لموروث» إن مصر تمتلك ثروة أثرية وتراثية فريدة من نوعها تجعلها في مقدمة دول العالم في المجال الأثري، ولابد أن نستغل هذه الثروة اقتصاديًا وماليًا.

ووصف «عبداللطيف» دولته مصر في بداية كلامه بأنها دولة عظيمة قائلا: “مصر عظيمة”  كلمة أرددها دائمًا في الكثير من البرامج التلفزيونية، وإذا كانت مصر قد فقدت الريادة في بعض المجالات إلا أنها ستعود مرة أخرى، فنحن رقم واحد على العالم في التراث والثقافة كمًا وكيفًا؛ من حيث الكم تتمتع مصر بأكبر عدد من الآثار الموجودة في العالم أجمع سواءً التي تم اكتشافها في الوقت الحالي، أو الموجودة في المتاحف، أما كيفًا فمصر تعد هي الدولة الوحيدة في العالم التي لها آثار تجسد حلقات متواصلة من التاريخ، ففترات مثل العصر الفرعوني، أو اليوناني، أو الروماني، أو البيزنطي، أو العصر الإسلامي، أو القبطي يتواجد بها آثار تمثلها على أرض الواقع سواء مباني أو قطع أثرية بالمتاحف.

وأوضح «عبداللطيف»: أن مصر تمتلك العديد من الكنوز التي لا تقدر بمال، ولا تقدر بثمن، والعالم أجمع يتمنى أن يكون لديه نسبة مئوية بسيطة من هذه الكنوز، التي منَّ الله علينا بها، وهي فضل كبير من الله ومن أجدادنا الذين تركوا لنا هذه الموروثات من معابد وكنائس ومساجد ومقابر أثرية، نعتز ونفتخر بها، ودورنا في الفترة الحالية هو الحافظ علي هذا التراث الأثري، لنسلمه سليمًا للأجيال القادمة للاستمتاع به والاستفادة منه.

وحول كيفية الاستفادة من تلك الثروة الأثرية الهائلة؛ يرى الدكتور «عبداللطيف»  أن مصر تحظى بتاريخ كبير وآثار هائلة تعبر عنه، ويجب أن يكون لها مردود اقتصادي، ويحدث ذلك من خلال تحويل تلك الثروة إلى عناصر جذب سياحي، وسيترتب على ذلك زيادة عدد السائحين القادمين إلى مصر من جميع أنحاء العالم، وهو ما يعني ضخَ العملة الصعبة في اقتصاد البلاد، وهذه العملة بدورها ستساعد في بناء الاقتصاد المصري، وبالتالي بناء المدارس والمستشفيات والمصانع، وتوفير ما نحتاجه من الخارج، مشيرًا إلى ضرورة العمل على تنشيط السياحة ليستفيد منها جميع أفراد المجتمع بدايةً من أصحاب المقاهي و “الكافيهات” والفنادق وانتهاءً بالمساهمة في الاقتصاد المصري وهو ما يعني خلق فرص عمل كثيرة للشباب المصري.

وفيما يتعلق بمشكلة نقص الوعي الأثري والتراثي لدى الشباب؛ فلا يلوم مساعد الوزير الأسبق الشباب في هذه المشكلة قائلًا: “الشباب ينقصهم الوعي الأثري والسياحي، ويجب أن تقوم الكوادر الإعلامية الشابة بدور التوعية الأثرية لهم، كما يقع على عاتق الدولة وأجهزتها الإعلامية دورًا كبيرًا في التوعية بالآثار والسياحة وأهميتها، فجميعنا نعلم أن الآثار والتاريخ شيء جميل، ولكن يجب علينا أن ندرك قيمتهم بالنسبة لنا”.

وبسؤاله عن فترة توليه منصب مساعد وزير الآثار وكذلك فترة عمله كمدير للآثار الإسلامية بالوزارة، تحدث قائلًا: “خلال هذه الفترة أنا عملت بكل جد في هذا المجال وفي حدود الإمكانيات المتاحة، فكان لي دور كبير في الاهتمام بمسار العائلة المقدسة، وفي ترميم الكثير من الأديرة الأثرية والآثار الإسلامية في الصعيد، وكذلك في أماكن القاهرة التاريخية، كما تمت مهمة تطوير هضبة الأهرام تحت إشرافي، وكذلك قمنا بإعداد المخازن الخاصة بالآثار والقطع الأثرية، وتحديد كيفية نقلها وحمايتها من السرقة مع الجهات المعنية، وهذا كان واجبي تجاه بلدي، فخدمة مصر شرف لي، سواءً كنت في منصب عملي تنفيذي أو حتي في منصب أكاديمي مثلما أنا الآن”.

وعن دور كلية السياحة والفنادق بجامعة المنصورة برفع الوعي بالتراث المصري، يقول «عبداللطيف»: “إن وكالة تنمية البيئة وشئون خدمة المجتمع بالكلية تهتم بتوعية الأطفال في مرحلة التعليم الأساسي، حيث تم إنشاء متحف تعليمي للطلاب تُدعى إليه جميع المراحل التعليمية: الابتدائي والاعدادي والثانوي؛ لتدريبهم وإعطائهم خلفية عن الثقافة ولتوعيتهم بالأثار والسياحة، لكي ينشأ جيل يعرف قيمة آثاره وتراثه، مضيفًا أن الكلية منذ فترة قامت بإرسال أفواج من أعضاء هيئة التدريس وأعضاء الهيئة المعاونة إلى المدارس لتوعيتهم لأنهم جيل المستقبل الذي إذا تم توعيته سيكون على قدرٍ من المسؤولية، وناشد الدكتور «عبداللطيف» المدارس والجامعات المصرية الاهتمام بهذا الشأن وتوعية النشء القادم بذلك.

وعن تأهيل طلاب وخريجين كلية السياحة والفنادق بجامعة المنصورة لسوق العمل ونشر التوعية الأثرية في المجتمع، أوضح قائلًا: “إن خريجين كلية السياحة والفنادق، في حقيقة الأمر، لا يجدون أحيانًا فرصةً في سوق العمل، ونحن هنا في الكلية تبنينا هذا الأمر، ورأيت أن هنالك عدة أشياء يجب تطبيقها، أولًا التطبيق العملي للمحاضرات، وهو ما نقوم به، وثانيًا قمنا بجلب مجموعة من الشركات المرموقة في مجال الفندقة، لتدريب الطلاب وتأهيلهم لسوق العمل، وهو ما أشاد به أحد أعضاء نقابة السياحة العالمية، كما نقوم في كل عام بتنظيم ملتقى للتوظيف هنا بداخل الكلية، ونقوم بدعوة شركات السياحة والفنادق، حيث شاركت 13 شركة سياحية في هذا الملتقى عام ٢٠٢٣، وفي العام الذي يليه ٢٠٢٤ انضمت لنا 41 شركة.

 ويرى «عبداللطيف» أن الدراسة مهمة لدى الطالب ولكن  يجب أن تكون بالتوازي مع التطبيق العملي، حيث قال: يوجد هنا بالكلية قسم الإرشاد السياحي وفيه نقوم بعمل تدريب عملي للطلاب خلال الصيف، وقد كان اختيار توقيت التدريب خطأً كبيرًا من جانبنا اكتشفتُ ارتكابه متأخرًا، فقمنا بتعديل وقت التدريب ليكون خلال العام الدراسي لكي يطبق الطالب على الجانب النظري، كما قمنا بتغيير لائحة البكالوريوس بالكامل، حيث أصبحت اللائحة الجديدة بنظام الساعات المعتمدة، كذلك قمنا بإجراء تطوير في جميع  الأقسام داخل الكلية، وتغيير كثير من المقررات لكي تواكب العصر الحالي؛ ومن ذلك استحداث مقررات السياحة الإلكترونية، والبرمجة السياحية، لأن هذه المجالات  تعتبر من أهم المهارات المطلوبة لدى الخريج وتهتم بها شركات السياحة والفنادق.

افتتاح المتحف المصري الكبير « أضحم متاحف العالم » يوليو القادم

 

خبير آثرى: القطاع الأثري المصري يشهد نقلة حضارية كبيرة وافتتاح المتحف المصري الكبير يعد الحدث الأهم والأكبر

أستاذ آثار بجامعة أسيوط: المتحف المصري الكبير لا يشبه الشكل النمطي التقليدي للمتاحف ويحكي تاريخ الأثر بشكل تفاعلي

تقرير: فارس عزالدين، تصوير: إيهاب محمد


تعمل الدولة المصرية في الوقت الراهن علي إنشاء وتطوير العديد من المتاحف المصرية، وذك في جميع أنحاء الجمهورية، ويأتي علي رأس هذه المتاحف المتحف المصري الكبير بهضبة الأهرام. والذي يشهد على أن مصر في الوقت الحالي تمر بطفره كبير في القطاع الأثري والسياحي بشكل عام حيث تولي الدولة ممثلة في وزارة السياحة والآثار أهمية كبرى للحفاظ علي المقتنيات الأثرية والتراث المصري الحضاري.

خبراء آثار: المتحف المصري الكبير نقلة حضارية كبيرة

يقول الخبير الأثري الدكتور خالد سعد إن القطاع الأثري المصري يشهد نقلة حضارية كبيرة خلال الـ ١٠ سنوات الماضية، حيث خصصت له الدولة ميزانية كبيرة أحدثت نقلة نوعية به، حيث تحولت بعض المتاحف الصغيرة إلى متاحف كبري عملاقة، وخير دليل على ذلك تطوير المتحف المصري والذي يعد الحدث الأهم والأكبر والمنتظر حدوثه في شهر يوليو القادم.

 وأضاف سعد أن متحفي الحضارة، وشرم الشيخ، ومتحفي الغردقة و كفر الشيخ، يعدوا من أهم المتاحف الجديدة التي تم افتتاحها مؤخرا خلال الفترة من 2017 وحتى عام 2020 .

ومن جانبه أبدى الدكتور سامح فكري ،أستاذ الآثار بكلية الآداب جامعة أسيوط، رأيه في افتتاح المتحف المصري الكبير واصفا إياه “بالحدث الضخم”، قائلا: ” يكفي أن المتحف المصري الكبير والذي سيفتتح قريبا في شهر يوليو القادم، يعد أضخم المتاحف الموجودة في العالم، مشيرًا إلى أن المتحف سيضم بين جنباته ممتلكات أثرية قيمة وفريدة من نوعها تجعله لا يشبه الشكل النمطي التقليدي للمتاحف القديمة مما يبرز دور الدولة ممثلة في وزارة الاثار في إنشاء هذا الصرح العظيم، وهو ليس مجرد متحف، وإنما سيكون جولة كبيرة تتم في هضبه الاهرام، خصص فيها مكان معين يتيح للزائر رؤية الأهرامات الثلاثة، ولهذا فإن اختيار مكان المتحف نفسه شيئا جميلًا جدًا، ومكملًا للرسائل التوعوية التي يتبناها المتحف.

ويقول فكرى إن زيارة المتحف لا تقتصر علي رؤية الآثار فقط وإنما سيكون بداخله قاعات مزودة بأحدث وسائل التكنولوجيا الحديثة، وشاشات عرض تفاعلية لعرض نماذج مستنسخة من الآثار بتقنيات الواقع المعزز والجرافيك  وكل ذلك لمعرفة تاريخ الأثر بشكل تكنولوجي ولرفع وعي وثقافة الزائرين فيما يختص بالتراث المصري القديم.

 وأكد فكري على أن المتحف المصري الكبير يضم قاعة خاصة بالملك توت عنخ أمون يعرف من خلالها الزائر قصة اكتشاف مقبرة توت عنخ امون وكيف كانت حياته وكيف توفي وما تركه من آثار ومقتنيات هذه كله من خلال تجربة تفاعلية، وباستخدام أحدث أجهزة العرض الرقمية، تجعل الزائر يعيش في حياة الملك الأسطوري توت عنخ آمون، وينطلق في رحلة سمعية وبصرية رائعة تمتد لأكثر من 3400 عام من التاريخ يستكشف من خلالها المعابد والكنوز والأسرار المعاد إحيائها من مصر القديمة حيث يتم إحاطته بعرض بصري بزاوية 360 درجة، مقرونًا بموسيقى تصويرية استثنائية.

المتحف المصري الكبير إطلالة بانوراميه على الأهرامات

جدير بالذكر أن المتحف المصري الكبير يقع عند مدخل مدينة القاهرة من جهة هضبة الأهرامات الواقعة بمحافظة الجيزة، حيث يوجد علي بعد حوالي 2 كيلومتر من أهرامات الجيزة مما يوفر إطلالة بانورامية على الأهرامات من خلال نوافذه الزجاجية الواسعة، ويمتد المتحف علي مساحة 500 ألف متر مربع، مما يجعله أكبر متحف آثري في العالم، ويتميز بواجهة من الزجاج و “الألباستر” مزينة بأشكال مثلثية مستوحاة من الرموز الفرعونية، مع درج ضخم يعرض تماثيل فرعونية ضخمة، مما يضف له روعة التصميم وامتزاجها بالهوية المصرية، وتقدر تكلفة إنشاء المتحف بحوالي 1.3 مليار دولار أمريكي.

مقتنيات فريدة ومناطق ترفيهية بالمتحف المصري الكبير

ويضم المتحف المصري الكبير أكثر من 100 ألف قطعة أثرية تغطي 7 الاف سنة من التاريخ المصري، ومن أهم معروضات المتحف، المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، بما في ذلك القناع الذهبي الشهير، ومركب الشمس للملك خوفو، الذي تم نقله من متحف مركب الشمس، بجانب الكثير من التماثيل الضخمة، والمسلات، والأعمدة، والتوابيت المزخرفة، وتُعرض جميع القطع والمقتنيات في 12 قاعة رئيسية مقسمة زمنيًا وموضوعيًا إلى ثلاثة محاور وهي، المجتمع، والحكم، والمعتقدات.

ويوجد بالمتحف مركزا للترميم يضم مختبرات متقدمة لصيانة الآثار، كما يوجد به مرافق ترفيهية تحتوى على منطقة للطعام، وحدائق خارجية، وسينما ثلاثية الأبعاد، ومركز للمؤتمرات مجهز لاستضافة الفعاليات الثقافية والعلمية، بجانب متحف للأطفال يقدم تجربة تعليمية تفاعلية للصغار.

مسيرة بناء وتشييد المتحف المصري الكبير

جدير بالذكر أن وزير السياحة والآثار، شريف فتحي، قد أعلن سابقا أن الافتتاح الرسمي الكامل للمتحف المصري الكبير سيكون يوم 3 يوليو المقبل 2025، وجاء ذلك بعد أكثر من 20 عامًا من التخطيط والإنشاء، حيث كان قد تم وضع حجر الأساس لمشروع المتحف المصري الكبير في عام 2002، وتم البدء في أعمال البناء والإنشاء في عام 2005، وفي عام 2010 تم الانتهاء من أعمال إنشاء أكبر مركز لترميم الآثار وحفظ وصيانة القطع الأثرية بالشرق الأوسط، كأحد أجزاء المتحف، وفي عام 2016 صدر قرار رئيس الوزراء رقم 2795 بتكوين وإنشاء هيئة خاصة للمتحف المصري الكبير، قبل أن يصدر قرار رقم 9 لسنة 2020 بإعادة تنظيم هذه الهيئة لتصبح هيئة عامة اقتصادية تابعة للوزير المختص بشؤون الآثار، وفي 15 أكتوبر من العام الماضي كان قد تم الافتتاح التجريبي للمتحف ولقاعات العرض الرئيسية والتي تضم 12 قاعة تضم أكثر من 14 الف قطعة أثرية، بجانب قاعة البهو العظيم والدرج العظيم والحدائق الخارجية والمنطقة التجارية بالمتحف.










«فيديو موروث» يجرى حوارًا مع الخبير الأثري الدكتور خالد سعد مدير عام آثار ما قبل التاريخ بوزارة السياحة والآثار

 

في وقتٍ تتعاظم فيه أهمية السياحة والتراث كركيزتين للاقتصاد والثقافة في مصر، تتصدر قضية الحفاظ على الهوية المصرية وحماية كنوزها الأثرية المشهد العام. وبينما تحقق البلاد طفرات ملموسة في مجالي الاكتشافات الأثرية والترويج السياحي، ولا تزال تحديات التقصير في التوعية تُلقي بظلالها على مستقبل هذا الإرث العريق.

في هذا الحوار، نفتح ملف السياحة والتراث مع الخبير الأثري الدكتور خالد سعد، مدير عام آثار ما قبل التاريخ بوزارة السياحة والآثار، لنرصد معه التحولات التي يشهدها القطاع، ونسلط الضوء على الرؤية المصرية في توسيع دور البعثات الأثرية، وأهمية تحويل التراث من مجرد “رؤية” إلى “صناعة”، فضلًا عن مناقشة الدور الحيوي لمؤسسات الدولة في تشكيل وعي وهوية الشباب المصري.

من خلال هذا الفيديو يقدّم لنا الدكتور خالد سعد رؤية نقدية شاملة لحال التراث المصري، ويطرح خطوات جادة لاستثماره وصونه للأجيال القادمة.


























العادات والتقاليد المصرية مرآه لحضارة سبعة آلاف عام.. والشباب: “السوشيال ميديا تبعد أغلبنا عنها”

 

تقرير: فارس عز الدين

في قلب مصر لا تسير الحياة فقط على إيقاع الحداثة والتطور، بل تنبض أيضًا بروح الموروث الشعبي والعادات العريقة التي شكلت ملامح الشخصية المصرية عبر قرون من الحضارة حيث تتوارث الأجيال طقوسًا لا تندثر، بل أنها تتجدد بخصوصية فريدة تميز الريف عن الحضر والنوبة عن الصعيد والواحات عن دلتا النيل، فالعادات والتقاليد ليست مجرد طقوس مكررة بل هي لغة اجتماعية وهوية ثقافية راسخة تعكس القيم ونبض الناس في المناسبات الاجتماعية والدينية المختلفة مثل الأفراح والمآتم والموالد والأعياد مثل عيد الحصاد وعيد الأضحى وعيد الفطر وشم النسيم وأبرز ما يميز هذه العادات هو تكيفها وبقائها لآلاف السنين سواء كانت عادات اجتماعية، أو عادات دينية يتمتع بها أهالي الريف والحضر والصعيد والبدو، فجميعهم لديهم عاداتهم المختلفة التي تحظي معظمها على الاحترام من جميع فئات الشعب المصري.

وفي هذا التقرير يرصد  موروث ملامح هذا التراث لاجتماعي ونتعرف إلى آراء الشباب حول مستقبله في ظل التغيرات المعاصرة فسبق وأن صرح وزير الثقافة الدكتور احمد فؤاد هنو، بأن المجتمع المصري لديه قيم وأعراف وتقاليد حمت الوطن وحافظت على القيم الإنسانية به ومن ثم يجب أن نحافظ عليها، مؤكدا على أن عملية تحريك القيم والتقاليد قد تكون سلاح ذو حدين.

و أكد الفنان محمد صبحي خلال مؤتمر الحوار الوطني على ضرورة التمسك بالجذور، مشيرًا إلى أن التمسك بالعادات والتقاليد والجذور ليس تخلفًا، بل هو ضرورة وأمر أساسي مهما بلغ التقدم التكنولوجي، مشددًا على أهمية إبراز عظماء تاريخ مصر والتمسك بالهوية الثقافية.

الشباب المصري: نسبة كبيرة منا بعدت عن العادات والتقاليد ونسبة ليست قليلة أيضا مازالت متمسكة بها

 سعت موروث لمعرفة آراء الشباب المصري، حول تمسكهم بالعادات والتقاليد المصرية ولما تتأثر، فيقول أحمد البحراوي – طالب بكلية الهندسة من مدينة طنطا-  هناك عادات وتقاليد يهتم بها المصريين  وتسمى “الأصول” وبالطبع ليس كل الناس تعمل بها، لكن نحن لدينا رواسخ وثوابت لا تتغير، ولابد ألا نجزئ مبادئنا في الصح والخطأ، وفي النهاية كل شخص لديه حريته في الاختيار.

وتابع ‏”هناك بالتأكيد أمور جديدة على مجتمعنا في الوقت الحالي بسبب السوشيال ميديا، والشباب لا يفهمها لكنه يعمل بها ظنا منهم بأن رؤية الجيل القديم خاطئة لأنهم اعتادوا عليها دون تفكير، مؤكدا على أن المسئولية تقع على الكبار والآباء والأجداد فيجب أن يكونوا عن قرب مع الأجيال الحديثة ليعلموا مستجدات العصر الحالي فيستطيعون حينها النصح والإرشاد.

 ووصف عمر حسين –  طالب بكلية الطب، العادات والتقاليد في مجتمعنا المصري بأنها الحاجة” التي ولد بها، أو ولد فوجد أهله أو أسرته يقومون بها مثل العادات التي توارثها منهم أو من المجتمع المحيط به مشيرا إلى أنه يطبق منها الكثير.

واستكمل حديثة قائلًا: وهناك عادة تعلمتها من أسرتي وأطبقها في حياتي باستمرار “العادة الأولي هي عادة مرتبطة بالإسلام، وهي احترام الكبير، فانا ولدت شاهدت أبي وجدي وعمي كيف يعاملون الأكبر سنا، وشاهدت أخوتي الأكبر مني، كيف يحترمون الكبير، ولا يستطيع أحد منهم تعلية صوته، أو أن يقول لا للشخص الأكبر سنا، حتى لو لم يقتنع بكلامه، لكنه يفعله احتراما له.

‏ويرى عمر أن الشباب في سنه بنسبة كبيرة بعدت عن العادات والتقاليد ونسبة ليست قليلة أيضا مازالت متمسكة بها والسبب في ذلك ترددهم على السوشيال ميديا، والتأثر بالأشياء التي يشاهدونها في الخارج، واصفًا ذلك “الشاب دلوقتي بقي بيقلد أي أحد من بره البيت حتي لو هو غلط بس علشان يكسر العادات والتقاليد ويحس انه مختلف عن أهله وانه حر وبيبرر ده بأنه دا الطبيعي لأن الأجيال مختلفة”.

وترصد موروث بعض العادات الاجتماعية والدينية التي مازال أهالي مصر ملتزمون بها

الزواج: تعدّ الأعراس مناسبة لا غنى عنها في كل أنحاء العالم ففي مصر مثلاً جرت العادات على تقديم جهاز العروس والذي يتكون من الصندوق الذي يوضع به الإكسسوارات من العقود والمجوهرات والأشرطة الملونة التي يزين بها الشعر الطويل والمخدة وكذلك يتم تقديم مبلغ مالي للعريس وتُسمى ب “نقوط الفرح” وهي عادة متأصلة في المجتمعات الشعبية الأخرى.

المولد النبوي: هي مناسبة عظيمة يتمّ الاحتفال بها منذ القدم، حيث جرت العادات بتنظيم مسيرات يتوافد بها الشباب والأطفال والشيوخ، ويرفعون أعلاماً مكتوباً عليها عبارات المدح للنبي عليه الصلاة والسلام، ويطوفون بها حول المدينة احتفالاً بهذه المناسبة.

شم النسيم: من العادات المتوارثة منذ الفراعنة الأجداد هي شم النسيم الذي يُحتفل به في الحادي والعشرين من أبريل في كل عام ويتناول فيه المصريون الفسيخ (السمك المملح).

سبوع المولود: كان المصريون القدماء يحتفلون بميلاد الطفل في اليوم السابع بعد ولادته لأنه في هذا اليوم يكتمل فيه حاسة السمع عند المولود لذا كان يتم الاحتفال بطريقة صاخبة من خلال دق الطبول وارتداء الخلاخيل حتى يسمع المولود الأصوات بوضوح وتلك العادة تم توارثها عبر الأجيال، حتى أصبحت طقسًا أساسيًا تقوم به كل العائلات المصرية.

كسر القلة: يرتبط كسر القلة عند المصري القديم بالوفاة فبعد موت أحد الأفراد تقوم أسرته بدفنه وتشييع جنازته ثم القيام بكسر كل الأواني الفخارية التي تخصه على الفور خشية عودة روحه إلى البيت مرة أخرى، وقيامها بأذى أحدهم أو التسبب في الشر حسب اعتقادهم وجرى توريث تلك العادة، حتى أصبح كسر القلة مرتبطا بالأشخاص الذين يشيعون الطاقة السلبية والأذى في المكان باعتبار أن كسر القلة وراءه ستُنهي تردده على المكان مرة آخري.

ذكرى أربعين المتوفي: اعتاد المصريون القدماء إقامة مراسم الجنازة بعد 40 يومًا من عملية التحنيط التي كانت تستغرق حوالي 40 يومًا وتناقل المصريون تلك العادة من خلال إقامة الذكرى الأربعين للمتوفي بتجمع عائلته وأصدقائه لقراءة القرآن والدعاء له.

عين حورس: كان للإله حورس مكانة كبيرة ومقدسة في قلوب المصريين القدماء، لذا اتخذوا رمز عين حورس للحماية من الأرواح الشريرة والطاقة السلبية والحسد، من خلال ارتدائها كقلادة ووضعها على صدر موتاهم لحمايتهم في الحياة الأخرى ومازالت هذه العادة موجودة حتى الان.

موائد الرحمن الخاصة بشهر رمضان: وهي تعد من العادات المميزة جدا في مصر، وتمتد إلى اكثر من ألف عام وهي موائد طعام تُنْصب في الشوارع لإطعام الصائمين، ويتسابق المصريون في هذا الشهر الكريم إلى إطعام الصائمين فمنهم من يقوم بتجهيز وجبات أُعدت في المنزل أو تجهيز المشروبات والتمر ويوزعها وقت آذان المغرب على الناس في الشوارع والطرقات.

ماجد الراهب يكتب لموروث .. العمارة وتطورها في الدولة القديمة

 

مقال : ماجد الراهب

كانت مصر تمتلك، منذ أقدم العصور الجيولوجية، المقومات البيئية الطبيعية والعناصر الضرورية لتأسيس حضارة محلية عريقة، وهذه العناصر البيئية قد أثرت بدورها في أقدم السلالات البشرية التي استقرت على أرض مصر، كما أثرت في نشأة الحضارة المصرية القديمة وساهمت في نموها بفضل مجهودات الإنسان المصري القديم.

العوامل الجغرافية

لقد كانت علاقة الإنسان ببيئته الجغرافية ذات تأثير متبادل، كما وجد الإنسان مصادر أخرى استغلها لنفعه واستقراره وبناء حضارته مثل المنخفضات التي تحولت لبحيرات. وقد تمتعت مصر بموقع جغرافي متميز حيث تقع بين ملتقى قارات العالم الثلاث مما يسهل لها عمليات الاتصال الخارجي.

إذ تقع في أقصى الشمال الشرقي للقارة الأفريقية وتبلغ مساحتها 3% من مساحة أفريقيا، ولهذا تعتبر مصر جزءًا هامًا في منطقة نشوء حضارات الشرق القديم وبغض النظر عن الترتيب الزمني، كما تحكَّم موقعُها في مواصلات الشرق والغرب مما ساعد على قيام علاقات تجارية مع البلاد المجاورة وبذلك نجد التشابه الكبير في العمارة داخل مصر والبلاد المجاورة لها؛ وخاصة التخطيط المعماري للمساكن والتصميمات الزخرفية المتنوعة والطوب اللبن والبناء على تلال صناعية مرتفعة والعمل على إقامة السدود والقناطر على امتداد مجرى النيل للاستفادة من مياه فيضانه، مما زاد من رقعة الأرض الزراعية وكان من أسباب التوحيد .

العامل الجيولوجي

المصادر والموارد الطبيعية لكل إقليم تحدد سمات الطابع المعماري له؛ فلقد كانت مصر غنية بأحجارها الجيرية والرملية وأيضًا الألبستر والجرانيت والمستخدم بجانب العمائر في التحف الزخرفية، فبالرغم من أن مصر فقيرة في المعادن الأولية، إلا أن وفرة الأحجار المختلفة فيها قد ساعد في تشييد المعابد الضخمة والمقابر ذات الغرف العديدة وإقامة التماثيل الكبيرة، كما استُخدم الجرانيت الأحمر الخشن في صناعة التماثيل الضخمة.

العامل المناخي

لقد استطاع المصري أن يُكيِّف مبانيه بحيث تتواءم مع طبيعة العوامل المناخية السائدة في البلاد؛ فحينما كانت مصر تتميز بوفرة أمطارها خلال عصر ما قبل الأسرات استخدم المصري القديمة الأسقف المائلة التي نرى صداها بحجرات الدفن الملكية بالأهرامات، خاصةً خلال الدولة القديمة. ولقد شهدت الأرض في زمن البلايستوسين أربعة أزمنة مختلفة من الزحف الجليدي على المناطق الشمالية من الكرة الأرضية من ناحية وأربع فترات من الأمطار الغزيرة على النواحي الجنوبية من ناحية أخرى، ومن هنا فلقد وقعت منطقة نشوء الحضارة في مكان وسط بين الزحف الجليدي من الشمال والأمطار من الجنوب مما جعلها تتميز بمناخ معتدل نسبيًا ومن ثم لا تعوق حرية التحرك والانتقال، وكل هذا أدى إلى أن تكون واجهات المعابد غير مخرمة أو مثقوبة بفتحات، مما أضفى قدرًا من الظلمة التي أعطت إحساسًا بالرهبة المطلوبة في المعبد من الناحية الدينية، ولعدم توافر أمطار غزيرة؛ أصبحت الأسقف أفقية دون ميول بل كان يُكتفى باستخدام أسقف سميكة من الحجر تكون عازلة لحرارة الشمس ومياه الأمطار من الشرب، وهنا نلاحظ تكامل في عناصر البيئة المصرية من حيث:

  • توافر المناخ الصالح للإنبات والنمو والحصاد.
  • توافر التربة الخصبة والطمي الغني الذي تجلبه مياه الفيضان.
  • وفرة المياه في كل الأوقات من العام؛ سواءً مياه النيل أو توافر الأمطار الشتوية.
  • وفرة المواد المختلفة اللازمة للإبداع الفني والعناصر المعمارية المختلفة.

العامل الديني

لا يوجد في تاريخ العالم أمه تأصلت فيها الديانة وامتزجت بمياه أهلها مثل مصر، ومن هنا فلقد لعبت التأثيرات الدينية دورها في نشاط العمارة حيث دفعت المصريين إلى الاهتمام بتشييد دور العبادة والعناية بعمارة المقابر باعتبارها بيوتًا خالدة، في حين بُنيت القصور والمساكن من الطوب الني والمحروق باعتبارها بيوت للدنيا الزائلة وان كانوا قد اعتنوا بزخرفة أسقفها وأعلى جدرانها وأحيانًا أرضيتها بما يبعث روح البهجة عليها.

العوامل الاجتماعية

لا يوجد مصادر أساسية يرجع إليها أفضل في معرفتنا بالحياة الاجتماعية أكثر مما نراه محفوظًا من الكتابات والرسوم المدونة على جدران العمائر الفرعونية وكذلك ما جاء في أوراق البردي التي عُثر عليها، ولعل من أجمل الرسوم التي عثر عليها في بعض المقابر القديمة في طيبة وسقارة ما يمثل المصريون في أعمالهم اليومية في الرياضة وفي الصيد وعملهم في الحقل وفي صناعاتهم، وقد كانت صناعات الحرف اليدوية مزدهرة -آنذاك- كالنسيج وصناعة الزجاج والخزف والمعادن وصياغة المجوهرات والأثاث. كما كان لازدهار تلك الصناعات أكبر الأثر في رخاء حياة المصريين بين الأمم وشعوب الأرض، ولعل ما هو موجود في المتحف المصري وفي متاحف العالم المشهورة أكبر دليل على ذلك، ولقد كان هذا التطور دليل على مدى التطور في العمارة.

العامل التاريخي

إن الأحداث التاريخية والأوضاع السياسية كان لها شديد الأثر على النشاط المعماري، كذلك فقد أثرت الأوضاع الخارجية على العمارة في مصر؛ فنلاحظ خلال عصر الدولة القديمة أن البلاد قد شهدت تطورًا معماريًا هائلًا حتى أنه أُطلق على هذه الفترة عصر بناة الأهرام؛ وذلك نظرًا لتشييد أهرام الجيزة الثلاثة، كما نلاحظ أن البلاد خلال هذه الفترة كانت تتمتع بالاستقرار السياسي داخليًا وخارجيًا مما انعكس على خزانة الدولة بالقوة والثراء. وفي عصر الهكسوس شهدت البلاد ركودًا تامًا في مختلف المجالات ومن بينها العمارة، أما في عصر الدولة الحديثة فلقد شهدت البلاد أعظم فترة عرفتها العمارة المصرية القديمة وذلك بعد أن تم طرد الهكسوس من مصر وأصبحت طيبة عاصمةً لها، وزاد الرخاء والازدهار. وبالتوازي مع ازدهار النشاط الخارجي، فقد عمل الملوك على تشجيع إقامة المباني والمنشآت المعمارية.

العوامل التي أثرت على العمارة المصرية القديمة

تكنولوجيا علم البناء

لقد كشفت بحوث الآثار التي امتدت جذورها إلى عصر ما قبل الأسرات أن المصرين القدماء كان لهم الفضل في وضع مثلث تكنولوجيا علم البناء للعالم أجمع، ذلك المثلث الذي تتكون أضلاعه من:

أ. وحدة البناء: وهو قالب الطوب الذي ابتكره المهندس المصري القديم منذ ثمانية آلاف سنة، وأعطاه اسمه (توبتي) وحدد شكله ونسب أبعاده التي احتفظ بها العالم إلى اليوم .

ب. وحدة القياس: ابتداءً من الوحدة الهرمية للذراع المعماري وغيره من وحدات القياس وتقسيمتها العشرية والمئوية واستعمالها في حساب الأبعاد والمسطحات والفراغ، مع ما ارتبط بذلك من نظريات حسابية ورياضية وهندسية بجانب اختراع الأرقام التي حددت بها وحدات القياس وعلوم الرياضيات والهندسة التي وضعت نظريات في العمارة وعلوم الإنشاء، بالإضافة إلى ابتكار وحدات قياس الزمن ابتداءً من السنة الثانية وتقسيماتها التي نقلها عنه العالم أجمع ولم يحاول تغييرها إلى اليوم.

جـ. وحدة التشكيل: ابتداءً من الخط المستقيم بمختلف الزوايا والدوائر والمنحنيات وتشكيلاتها الهندسية وما ارتبط بها من علوم حساب المثلثات والهندسة الوصفية والعلوم التشكيلية.

أهم مميزات العمارة المصرية القديمة

 تتميز العمارة المصرية في أقدم عهودها بالبساطة والضخامة والعظمة التي تُشعِر بالقوة والاستقرار وتتجلى روح البساطة هذه في أهرامات الجيزة وهرم سقارة المدرج ومعبد أبو الهول، على أن هذه البساطة كانت مقرونة بالجمال والانسجام كما كانت مقرونة بعلمٍ واسعٍ بهندسة البناء وحساب الضغط ومقاومة الأجسام وغير ذلك من أحوال العمارة، حيث اعتمد المصريون اتجاهًا جديدًا وهو الاتجاه إلى تذوق الطبيعة والتأثر بعناصر الحياة والحركة، ولنا أن نلمس ذلك الاتجاه الجديد في مبانيهم وتماثيلهم، والإضاءة الطبيعية للمعابد وذلك عن طريق جعل الأعمدة الوسطى أعلي كثيرًا من الأعمدة الجانبية، وكان من نتيجة ذلك أن السقف عند الجانبين يكون أكثر انخفاضًا عنه في الوسط وبذلك يدخل الضوء من خلال الفتحات الجانبية، وهذا الضوء يكون شديد السطوع عند الفتحات ثم ينتشر في باقي أجزاء المعبد، بالإضافة إلى زيادة سُمك الحوائط الخارجية وميلها للداخل من أعلى حيث كانت الحوائط تُبنى بسُمك يقل في العرض كلما ارتفع البناء بحيث يبقي سطح الحائط من الداخل عموديًا ويصبح السطح الخارجي مائلًا؛ مما يُزيد من قوة الحائط وثباته، وهذه هي أهم نظرية لمقاومة الزلالزل ومقاومة الأحمال وقد تمسك المصريون القدماء بطريقة زيادة سُمك الحوائط الخارجية وميلها للداخل من أعلى وأصبحت علامة مميزة للعمارة الفرعونية، كل ذلك مع استعمال الأشكال الهندسية المتجاورة أو المتداخلة فيصبح المبنى منظمًا تنظيمًا سليمًا وتنتشر أجزاء المبنى يمينا ويسارًا للداخل، وبتعدُّد هذه الأجزاء والوحدات واتساعها تتحدد مساحة المبنى أو المعبد.

أولًا: العمارة الجنائزية

كان هناك نوعان من العمارة: الأولى عمارة الخلود والتي تخدم العقائد والمعتقدات وتتمثل في المقابر والمصاطب والأهرامات والمعابد التي أطلق عليها القدماء المصريين أنفسهم اسم “عمارة العالم الآخر”. ولقد اهتم المصري القديم باستعمال الأحجار في المباني الخاصة بالعالم الآخر منذ بداية عصر الأسرة الأولى، فنلاحظ أنه في إحدى مقابر أبيدوس تم إعداد الأرضية من كتلٍ ضخمة من الجرانيت سُويت ورُبِّعت قليلًا حتى تلائم الفراغ، علي أن أول استعمال فعلي للحجر في البناء لم يتم إلا في الأسرة الثانية وفي الأسرة الثالثة، ثم تزايد هذا الاستخدام عند إقامة المجموعة الهرمية كاملةً من الحجر في عهد الملك زوسر، ولقد بدأت المقابر في بداية الأسرة خلال عصر الأسرتين الأولي والثانية في هيئة مصطبة تضيق كلما اتجهنا لأعلى، ثم تطورت فيما بعد إلى ذلك الشكل الهرمي المدرج (المصطبة المدرجة) في عهد الأسرة الثالثة من حكم الملك زوسر والتي كانت عبارة عن سبع مدرجات تعلو بعضها البعض، ومع بداية عصر الأسرة الرابعة شهد مجال العمارة تطورًا كبيرًا وخاصة العمارة الدينية؛ فنلاحظ اكتمال الشكل الهرمي ويتضح ذلك من خلال أهرامات الجيزة الثلاثة، وقد استمرت تلك الأشكال الهرمية أيضًا في عصر الدولة الوسطى، ثم جاءت مقابر عصر الدولة الحديثة والتي تميزت بالعديد من الملامح الفنية الجديدة، وتمثلت في الآتي :

أـ التخلي عن الشكل الهرمي للمقبرة: وهي برغم ضخامة وتأمين ممراتها وحجراتها الداخلية، إلا أنها كانت ظاهرة أمام من تسول لهم أنفسهم العبث بمقابر الأسلاف، فعبثوا ما شاء لهم العبث .

ب. اختيار موقع جبلي موحش بعيدًا عن كل مظاهر الحياة .

جـ. الفصل ما بين المقبرة والمعبد: حيث أن الربط يحدد موقع المقبرة، ومن ثم يُسهل الأمر على اللصوص، ولهذا اختير أن تُقام لهم مقابر في الصخور في غرب طيبة بوداي الملوك .

ثانيًا: العمارة المدنية

كانت المساكن تُشيَّد من الطين وأغصان الأشجار، ثم من الطوب اللبن بعد ذلك، ولدينا مثال واضح من الأسرة الثانية عشر فى منطقة اللاهون، والتي كان يحيط بها سور سميك وكانت مقسمة لأحياء تفصل بين بيوتها شوارع ضيقة.

أهم العناصر المعمارية في العمارة المصرية

الأعمدة: وقد تم إقامتها في بادئ الأمر من قوائم بوص أو جريد مربوطة عرضيًا بأعواد نباتية وقد مُلئت الفراغات كما صُنعت لها طبقة من الخارج بمادة الطين ثم أستبُدلت بعد ذلك بالأحجار، والأسقف: وقد استعملت في المباني لحمايتها من الداخل من عوامل الطبيعة الخارجية كالشمس والمطر أو بناء طوابق فوقها، وعلى هذا فقد استعمل المصري جذوع النخل في التسقيف في بعض الحالات التي فوقها أحمال واستعمل البوص أو الجريد في الأحوال التي لا يلزم وضع أحمال فوقها فوضع البوص في اتجاهين متعامدين لتغطية الغرف كما كساها المصري القديم بطبقة من الطين، ويمكن أن نقارن هذه الطريقة بأسقف الخرسانة المسلحة في التسليح الطولي والعرضي أو ما يسمى “الفرش والغطاء”، وهناك الحوائط: وقد كان المصري القديم، بل وما زال المصري، يستعمل في بعض الأحيان لبناء الحوائط -وخاصةً الأسوار- قوائم من الجريد أو البوص ممسوكة بعوارض من نفس المادة كما تُصنع لها طبقة من الطين، وهي المرحلة التي ظهر بعدها البناء الحجري.

المهندسون المصريون: وظائفهم وأعلامهم

لقد لعب المهندسون دورًا هامًا في التشييد بالحجر وتجهيز القصور والمنازل واكتشاف الأعمدة بطرزها المختلفة التي انتقلت فيما بعد إلي أوروبا لتصبح نواة العمارة اليونانية الرومانية، كما أنهم قدموا لنا شكلًا ثابتًا لقالب الطوب وقياساته، والذي يستخدمه العالم حتى الآن، كما قدموا الأسس الأولية لأساليب الإنشاء الجاهز وسابق التجهيز، حيث ظهرت نماذج الأبواب والنوافذ والوحدات الجاهزة للأعتاب وممرات الأسقف وبلاطات الأرضيات. ولعل من أشهر هؤلاء المهندسين “أيمحتب” الذي عاش في عصر الدولة القديمة، و “سنموت” خلال عصر الدولة الحديثة.

أيمحتب

لقد أرتبط اسم “أيمحتب” بمجموعة الملك زوسر في الدولة القديمة خلال عصر الأسرة الثالثة، فلقد تمت في عهد هذا الملك، وفي إطار تشييده للهرم، ثلاث محاولات كبيرة في تشييد المقابر، وأحدث تغيرًا جذريًا في فن العمارة يتمثل في استخدام الحجر على نطاق واسع وهو ما لم يكن معهودًا من قبل؛ حيث كان الطوب اللبن هو مادة البناء الأساسية، كما مثلت هذه التجربة بداية اتخاذ المقبرة للشكل الهرمي، حيث انتقل “أيمحتب” بجزئها العلوي من شكل المصطبة “المستطيبة” إلى هيئة الهرم المدرج.

سنموت

من أعظم فترات مصر من حيث السلام والرخاء الاقتصادي والهدوء السياسي والديني هي فترة حكم الملكة “حتشبسوت” والتي أصبحت فيها هي المتحكمة الأولى والمسيطرة على مقاليد الحكم بمساعدة بعض الموظفين والكهنة الذين كانوا يريدون مزيدًا من الألقاب والامتيازات والثراء المادي، ومن الذين ساعدوها في هذه الأمور النبيل “سنموت” الذي كان على رأس رجال دولتها وموظفيها، وقد كانت من أهم التطورات التي أحدثها “سنموت”؛ بناؤه معبد الملكة “حتشبسوت” كمعبد فريدٍ في طرازه؛ إذ تم بناؤه بطريقة المدرجات، فكان يحتوي على ثلاثة مدرجات يعلو كل منهم الآخر، وهو يعتبر المعبد المصري الوحيد الذي اتخذ هذا الطراز المعماري الفريد.