مقال : ماجد الراهب
كانت مصر تمتلك، منذ أقدم العصور الجيولوجية، المقومات البيئية الطبيعية والعناصر الضرورية لتأسيس حضارة محلية عريقة، وهذه العناصر البيئية قد أثرت بدورها في أقدم السلالات البشرية التي استقرت على أرض مصر، كما أثرت في نشأة الحضارة المصرية القديمة وساهمت في نموها بفضل مجهودات الإنسان المصري القديم.
العوامل الجغرافية
لقد كانت علاقة الإنسان ببيئته الجغرافية ذات تأثير متبادل، كما وجد الإنسان مصادر أخرى استغلها لنفعه واستقراره وبناء حضارته مثل المنخفضات التي تحولت لبحيرات. وقد تمتعت مصر بموقع جغرافي متميز حيث تقع بين ملتقى قارات العالم الثلاث مما يسهل لها عمليات الاتصال الخارجي.
إذ تقع في أقصى الشمال الشرقي للقارة الأفريقية وتبلغ مساحتها 3% من مساحة أفريقيا، ولهذا تعتبر مصر جزءًا هامًا في منطقة نشوء حضارات الشرق القديم وبغض النظر عن الترتيب الزمني، كما تحكَّم موقعُها في مواصلات الشرق والغرب مما ساعد على قيام علاقات تجارية مع البلاد المجاورة وبذلك نجد التشابه الكبير في العمارة داخل مصر والبلاد المجاورة لها؛ وخاصة التخطيط المعماري للمساكن والتصميمات الزخرفية المتنوعة والطوب اللبن والبناء على تلال صناعية مرتفعة والعمل على إقامة السدود والقناطر على امتداد مجرى النيل للاستفادة من مياه فيضانه، مما زاد من رقعة الأرض الزراعية وكان من أسباب التوحيد .
العامل الجيولوجي
المصادر والموارد الطبيعية لكل إقليم تحدد سمات الطابع المعماري له؛ فلقد كانت مصر غنية بأحجارها الجيرية والرملية وأيضًا الألبستر والجرانيت والمستخدم بجانب العمائر في التحف الزخرفية، فبالرغم من أن مصر فقيرة في المعادن الأولية، إلا أن وفرة الأحجار المختلفة فيها قد ساعد في تشييد المعابد الضخمة والمقابر ذات الغرف العديدة وإقامة التماثيل الكبيرة، كما استُخدم الجرانيت الأحمر الخشن في صناعة التماثيل الضخمة.
العامل المناخي
لقد استطاع المصري أن يُكيِّف مبانيه بحيث تتواءم مع طبيعة العوامل المناخية السائدة في البلاد؛ فحينما كانت مصر تتميز بوفرة أمطارها خلال عصر ما قبل الأسرات استخدم المصري القديمة الأسقف المائلة التي نرى صداها بحجرات الدفن الملكية بالأهرامات، خاصةً خلال الدولة القديمة. ولقد شهدت الأرض في زمن البلايستوسين أربعة أزمنة مختلفة من الزحف الجليدي على المناطق الشمالية من الكرة الأرضية من ناحية وأربع فترات من الأمطار الغزيرة على النواحي الجنوبية من ناحية أخرى، ومن هنا فلقد وقعت منطقة نشوء الحضارة في مكان وسط بين الزحف الجليدي من الشمال والأمطار من الجنوب مما جعلها تتميز بمناخ معتدل نسبيًا ومن ثم لا تعوق حرية التحرك والانتقال، وكل هذا أدى إلى أن تكون واجهات المعابد غير مخرمة أو مثقوبة بفتحات، مما أضفى قدرًا من الظلمة التي أعطت إحساسًا بالرهبة المطلوبة في المعبد من الناحية الدينية، ولعدم توافر أمطار غزيرة؛ أصبحت الأسقف أفقية دون ميول بل كان يُكتفى باستخدام أسقف سميكة من الحجر تكون عازلة لحرارة الشمس ومياه الأمطار من الشرب، وهنا نلاحظ تكامل في عناصر البيئة المصرية من حيث:
- توافر المناخ الصالح للإنبات والنمو والحصاد.
- توافر التربة الخصبة والطمي الغني الذي تجلبه مياه الفيضان.
- وفرة المياه في كل الأوقات من العام؛ سواءً مياه النيل أو توافر الأمطار الشتوية.
- وفرة المواد المختلفة اللازمة للإبداع الفني والعناصر المعمارية المختلفة.
العامل الديني
لا يوجد في تاريخ العالم أمه تأصلت فيها الديانة وامتزجت بمياه أهلها مثل مصر، ومن هنا فلقد لعبت التأثيرات الدينية دورها في نشاط العمارة حيث دفعت المصريين إلى الاهتمام بتشييد دور العبادة والعناية بعمارة المقابر باعتبارها بيوتًا خالدة، في حين بُنيت القصور والمساكن من الطوب الني والمحروق باعتبارها بيوت للدنيا الزائلة وان كانوا قد اعتنوا بزخرفة أسقفها وأعلى جدرانها وأحيانًا أرضيتها بما يبعث روح البهجة عليها.
العوامل الاجتماعية
لا يوجد مصادر أساسية يرجع إليها أفضل في معرفتنا بالحياة الاجتماعية أكثر مما نراه محفوظًا من الكتابات والرسوم المدونة على جدران العمائر الفرعونية وكذلك ما جاء في أوراق البردي التي عُثر عليها، ولعل من أجمل الرسوم التي عثر عليها في بعض المقابر القديمة في طيبة وسقارة ما يمثل المصريون في أعمالهم اليومية في الرياضة وفي الصيد وعملهم في الحقل وفي صناعاتهم، وقد كانت صناعات الحرف اليدوية مزدهرة -آنذاك- كالنسيج وصناعة الزجاج والخزف والمعادن وصياغة المجوهرات والأثاث. كما كان لازدهار تلك الصناعات أكبر الأثر في رخاء حياة المصريين بين الأمم وشعوب الأرض، ولعل ما هو موجود في المتحف المصري وفي متاحف العالم المشهورة أكبر دليل على ذلك، ولقد كان هذا التطور دليل على مدى التطور في العمارة.
العامل التاريخي
إن الأحداث التاريخية والأوضاع السياسية كان لها شديد الأثر على النشاط المعماري، كذلك فقد أثرت الأوضاع الخارجية على العمارة في مصر؛ فنلاحظ خلال عصر الدولة القديمة أن البلاد قد شهدت تطورًا معماريًا هائلًا حتى أنه أُطلق على هذه الفترة عصر بناة الأهرام؛ وذلك نظرًا لتشييد أهرام الجيزة الثلاثة، كما نلاحظ أن البلاد خلال هذه الفترة كانت تتمتع بالاستقرار السياسي داخليًا وخارجيًا مما انعكس على خزانة الدولة بالقوة والثراء. وفي عصر الهكسوس شهدت البلاد ركودًا تامًا في مختلف المجالات ومن بينها العمارة، أما في عصر الدولة الحديثة فلقد شهدت البلاد أعظم فترة عرفتها العمارة المصرية القديمة وذلك بعد أن تم طرد الهكسوس من مصر وأصبحت طيبة عاصمةً لها، وزاد الرخاء والازدهار. وبالتوازي مع ازدهار النشاط الخارجي، فقد عمل الملوك على تشجيع إقامة المباني والمنشآت المعمارية.
العوامل التي أثرت على العمارة المصرية القديمة
تكنولوجيا علم البناء
لقد كشفت بحوث الآثار التي امتدت جذورها إلى عصر ما قبل الأسرات أن المصرين القدماء كان لهم الفضل في وضع مثلث تكنولوجيا علم البناء للعالم أجمع، ذلك المثلث الذي تتكون أضلاعه من:
أ. وحدة البناء: وهو قالب الطوب الذي ابتكره المهندس المصري القديم منذ ثمانية آلاف سنة، وأعطاه اسمه (توبتي) وحدد شكله ونسب أبعاده التي احتفظ بها العالم إلى اليوم .
ب. وحدة القياس: ابتداءً من الوحدة الهرمية للذراع المعماري وغيره من وحدات القياس وتقسيمتها العشرية والمئوية واستعمالها في حساب الأبعاد والمسطحات والفراغ، مع ما ارتبط بذلك من نظريات حسابية ورياضية وهندسية بجانب اختراع الأرقام التي حددت بها وحدات القياس وعلوم الرياضيات والهندسة التي وضعت نظريات في العمارة وعلوم الإنشاء، بالإضافة إلى ابتكار وحدات قياس الزمن ابتداءً من السنة الثانية وتقسيماتها التي نقلها عنه العالم أجمع ولم يحاول تغييرها إلى اليوم.
جـ. وحدة التشكيل: ابتداءً من الخط المستقيم بمختلف الزوايا والدوائر والمنحنيات وتشكيلاتها الهندسية وما ارتبط بها من علوم حساب المثلثات والهندسة الوصفية والعلوم التشكيلية.
أهم مميزات العمارة المصرية القديمة
تتميز العمارة المصرية في أقدم عهودها بالبساطة والضخامة والعظمة التي تُشعِر بالقوة والاستقرار وتتجلى روح البساطة هذه في أهرامات الجيزة وهرم سقارة المدرج ومعبد أبو الهول، على أن هذه البساطة كانت مقرونة بالجمال والانسجام كما كانت مقرونة بعلمٍ واسعٍ بهندسة البناء وحساب الضغط ومقاومة الأجسام وغير ذلك من أحوال العمارة، حيث اعتمد المصريون اتجاهًا جديدًا وهو الاتجاه إلى تذوق الطبيعة والتأثر بعناصر الحياة والحركة، ولنا أن نلمس ذلك الاتجاه الجديد في مبانيهم وتماثيلهم، والإضاءة الطبيعية للمعابد وذلك عن طريق جعل الأعمدة الوسطى أعلي كثيرًا من الأعمدة الجانبية، وكان من نتيجة ذلك أن السقف عند الجانبين يكون أكثر انخفاضًا عنه في الوسط وبذلك يدخل الضوء من خلال الفتحات الجانبية، وهذا الضوء يكون شديد السطوع عند الفتحات ثم ينتشر في باقي أجزاء المعبد، بالإضافة إلى زيادة سُمك الحوائط الخارجية وميلها للداخل من أعلى حيث كانت الحوائط تُبنى بسُمك يقل في العرض كلما ارتفع البناء بحيث يبقي سطح الحائط من الداخل عموديًا ويصبح السطح الخارجي مائلًا؛ مما يُزيد من قوة الحائط وثباته، وهذه هي أهم نظرية لمقاومة الزلالزل ومقاومة الأحمال وقد تمسك المصريون القدماء بطريقة زيادة سُمك الحوائط الخارجية وميلها للداخل من أعلى وأصبحت علامة مميزة للعمارة الفرعونية، كل ذلك مع استعمال الأشكال الهندسية المتجاورة أو المتداخلة فيصبح المبنى منظمًا تنظيمًا سليمًا وتنتشر أجزاء المبنى يمينا ويسارًا للداخل، وبتعدُّد هذه الأجزاء والوحدات واتساعها تتحدد مساحة المبنى أو المعبد.
أولًا: العمارة الجنائزية
كان هناك نوعان من العمارة: الأولى عمارة الخلود والتي تخدم العقائد والمعتقدات وتتمثل في المقابر والمصاطب والأهرامات والمعابد التي أطلق عليها القدماء المصريين أنفسهم اسم “عمارة العالم الآخر”. ولقد اهتم المصري القديم باستعمال الأحجار في المباني الخاصة بالعالم الآخر منذ بداية عصر الأسرة الأولى، فنلاحظ أنه في إحدى مقابر أبيدوس تم إعداد الأرضية من كتلٍ ضخمة من الجرانيت سُويت ورُبِّعت قليلًا حتى تلائم الفراغ، علي أن أول استعمال فعلي للحجر في البناء لم يتم إلا في الأسرة الثانية وفي الأسرة الثالثة، ثم تزايد هذا الاستخدام عند إقامة المجموعة الهرمية كاملةً من الحجر في عهد الملك زوسر، ولقد بدأت المقابر في بداية الأسرة خلال عصر الأسرتين الأولي والثانية في هيئة مصطبة تضيق كلما اتجهنا لأعلى، ثم تطورت فيما بعد إلى ذلك الشكل الهرمي المدرج (المصطبة المدرجة) في عهد الأسرة الثالثة من حكم الملك زوسر والتي كانت عبارة عن سبع مدرجات تعلو بعضها البعض، ومع بداية عصر الأسرة الرابعة شهد مجال العمارة تطورًا كبيرًا وخاصة العمارة الدينية؛ فنلاحظ اكتمال الشكل الهرمي ويتضح ذلك من خلال أهرامات الجيزة الثلاثة، وقد استمرت تلك الأشكال الهرمية أيضًا في عصر الدولة الوسطى، ثم جاءت مقابر عصر الدولة الحديثة والتي تميزت بالعديد من الملامح الفنية الجديدة، وتمثلت في الآتي :
أـ التخلي عن الشكل الهرمي للمقبرة: وهي برغم ضخامة وتأمين ممراتها وحجراتها الداخلية، إلا أنها كانت ظاهرة أمام من تسول لهم أنفسهم العبث بمقابر الأسلاف، فعبثوا ما شاء لهم العبث .
ب. اختيار موقع جبلي موحش بعيدًا عن كل مظاهر الحياة .
جـ. الفصل ما بين المقبرة والمعبد: حيث أن الربط يحدد موقع المقبرة، ومن ثم يُسهل الأمر على اللصوص، ولهذا اختير أن تُقام لهم مقابر في الصخور في غرب طيبة بوداي الملوك .
ثانيًا: العمارة المدنية
كانت المساكن تُشيَّد من الطين وأغصان الأشجار، ثم من الطوب اللبن بعد ذلك، ولدينا مثال واضح من الأسرة الثانية عشر فى منطقة اللاهون، والتي كان يحيط بها سور سميك وكانت مقسمة لأحياء تفصل بين بيوتها شوارع ضيقة.
أهم العناصر المعمارية في العمارة المصرية
الأعمدة: وقد تم إقامتها في بادئ الأمر من قوائم بوص أو جريد مربوطة عرضيًا بأعواد نباتية وقد مُلئت الفراغات كما صُنعت لها طبقة من الخارج بمادة الطين ثم أستبُدلت بعد ذلك بالأحجار، والأسقف: وقد استعملت في المباني لحمايتها من الداخل من عوامل الطبيعة الخارجية كالشمس والمطر أو بناء طوابق فوقها، وعلى هذا فقد استعمل المصري جذوع النخل في التسقيف في بعض الحالات التي فوقها أحمال واستعمل البوص أو الجريد في الأحوال التي لا يلزم وضع أحمال فوقها فوضع البوص في اتجاهين متعامدين لتغطية الغرف كما كساها المصري القديم بطبقة من الطين، ويمكن أن نقارن هذه الطريقة بأسقف الخرسانة المسلحة في التسليح الطولي والعرضي أو ما يسمى “الفرش والغطاء”، وهناك الحوائط: وقد كان المصري القديم، بل وما زال المصري، يستعمل في بعض الأحيان لبناء الحوائط -وخاصةً الأسوار- قوائم من الجريد أو البوص ممسوكة بعوارض من نفس المادة كما تُصنع لها طبقة من الطين، وهي المرحلة التي ظهر بعدها البناء الحجري.
المهندسون المصريون: وظائفهم وأعلامهم
لقد لعب المهندسون دورًا هامًا في التشييد بالحجر وتجهيز القصور والمنازل واكتشاف الأعمدة بطرزها المختلفة التي انتقلت فيما بعد إلي أوروبا لتصبح نواة العمارة اليونانية الرومانية، كما أنهم قدموا لنا شكلًا ثابتًا لقالب الطوب وقياساته، والذي يستخدمه العالم حتى الآن، كما قدموا الأسس الأولية لأساليب الإنشاء الجاهز وسابق التجهيز، حيث ظهرت نماذج الأبواب والنوافذ والوحدات الجاهزة للأعتاب وممرات الأسقف وبلاطات الأرضيات. ولعل من أشهر هؤلاء المهندسين “أيمحتب” الذي عاش في عصر الدولة القديمة، و “سنموت” خلال عصر الدولة الحديثة.
أيمحتب
لقد أرتبط اسم “أيمحتب” بمجموعة الملك زوسر في الدولة القديمة خلال عصر الأسرة الثالثة، فلقد تمت في عهد هذا الملك، وفي إطار تشييده للهرم، ثلاث محاولات كبيرة في تشييد المقابر، وأحدث تغيرًا جذريًا في فن العمارة يتمثل في استخدام الحجر على نطاق واسع وهو ما لم يكن معهودًا من قبل؛ حيث كان الطوب اللبن هو مادة البناء الأساسية، كما مثلت هذه التجربة بداية اتخاذ المقبرة للشكل الهرمي، حيث انتقل “أيمحتب” بجزئها العلوي من شكل المصطبة “المستطيبة” إلى هيئة الهرم المدرج.
سنموت

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق