الجمعة، 2 مايو 2025

ماجد الراهب رئيس جمعية المحافظة على التراث المصري في حوار خاص لموقع «موروث»: غالبية الشعب المصري يجهل تمامًا أهمية تاريخه ولا يوجد أحد سيحافظ على تراثنا إلا الشباب


 

لدينا مشكلة في الحرص الكافي داخل المجتمع علي تراثنا الذي يبحث عنه العالم أجمع

الدولة لا تري غير الأقصر مع أن محافظات مصر جميعها توجد بها آثار

التسويق السياحي في مصر يركز على محافظات محددة وباقي المحافظات الأخرى لا تأخذ نصيبها منه

حوار: أحمد عبد المتعال

في البداية عرفنا متى تم إنشاء جمعية المحافظة على التراث المصري وما كان هدفها؟

تأسست الجمعية في  6/6/2006 وكان هدفها الاهتمام بالتراث المصري بكل روافده، سواء كان قديم أو جديد،  قبطي أو إسلامي، هذا بالإضافة إلى رفع الوعي بأهمية تنمية تراثنا والحفاظ عليه وعلي القيمة الحضارية له سواء لدى الكبار أو الأطفال، حيث أننا في مصر لدينا مشكلة في الحرص الكافي داخل المجتمع علي الحفاظ على تراثنا وحضارتنا، التي يبحث عنها العالم أجمع.

 هل يقتصر عمل الجمعية على رفع الوعي فقط؟

لا يقتصر دور الجمعية على رفع الوعي فقط فكان للجمعية دور كبير في الحفاظ على الاثار والتنبيه بأهمية التراث، حيث قمنا بعمل حملات كثيرة للحفاظ على التراث المصري مثل ما قمنا به في شارع الازهر من حل لمشكلة “قبة الغوري” بالإضافة إلي أننا بذلنا جهود كبيرة من أجل أن يتم ترميم القبة، بجانب دورنا في ترميم الأديرة أيضًا، حيث كان لنا دور كبير في ترميم بعضها والحفاظ عليها.

سبق وأن ذكرت أن الجمعية تقوم برفع وعي الأطفال بأهمية التراث فكيف حدث ذلك؟

وضعت الجمعية نصب أعينها رفع الوعي بأهمية التراث المصري لدى الأطفال الصغار لأن  للآسف هناك الكثير من أطفالنا تعتقد أن الاثار مجرد حجارة وأصنام ولا يعطوا لها اية أهمية مطلاقًا، لذلك قمنا بعمل مشاريع كثيرة ومنها مشروع “البراعم الصغيرة” والذي فيه سلطنا الاهتمام علي الأطفال، من خلال إعطائهم دروسًا في التراث على قدر مستوى سنهم، بالإضافة إلي أننا كنا نأخذهم في رحلات إلي المناطق الاثرية والمتاحف ونشرح لهم أهمية كل آثر، والقصة الخاصة به، وكان لذلك صدى قوي جدًا لدي الأطفال، وكان لديهم حماس كبير في ذلك، بجانب اهتمامنا بالمدارس حيث قومنا بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم، للذهاب إلي المدارس وعمل لقاءات مع الطلاب، كنا خلالها نقوم بشرح جزء من التراث المصري، من خلال أفلام وفيديوهات تسجيلية، وحقق ذلك صدي جيد جدًا لدي الأولاد، لكن للأسف قامت الوزارة مؤخرٍا بإلغاء هذا النشاط، وعدم السماح لأي شخص من خارج الوزارة أن ينظم مثل هذه الأنشطة داخل المدارس.

ما الأنشطة التي تقوم بها الجمعية لأعضائها؟

بالفعل لدينا أعضاء للجمعية مرتبطين بها وبنشاطها، حيث اننا نقوم بتنظيم رحالات وعمل ندوات وصالونات ثقافية لهم، مثل “صالون المحروسة” الذي ننظمه في مقر الجمعية، وخلاله نستقدم احد المحاضرين أو المتحدثين، الذي ينشأ دائرة حوار ونقاش لتبادل الآراء، وهذه التجربة تضيف للحاضرين معلومات كثيرة والذي قد يبلغ عددهم أحيانا حوالي 500 عضو، بخلاف صفحاتنا علي مواقع التواصل الاجتماعي، فعلي “الفيس بوك” يوجد “جروب” خاص بالجمعية بداخله تتفاعل أعداد كبيرة جدًا، لأنهم يشعروا بقيمة وأهمية المحتوي المقدم لهم، خصوصًا أن هنالك ترجمات للحضارة المصرية نقوم بنشرها قام بترجمتها كثير من الأجانب، والجمعية منذ بداية تأسيسها وعلى مدار هذا السنوات، قمنا بعمل حوالي 150 رحلة لأعضائها على مستوى الجمهورية شمال وجنوب وشرق وغرب، حتى هناك مناطق اثرية لم يكن أحد يتطرق إليها كنا نذهب إليها ونقوم بعمل دعاية وتنشيط سياحي لها.

من وجهه نظرك ما أهم المشروعات التي قامت بها الجمعية في سبيل الحفاظ على التراث المصري؟

تقوم الجمعية بتبني مشروع “مسار رحلة العائلة المقدسة”، وهذا من المشاريع المهمة جدًا علي مستوي مصر، لأن هذا المسار يدور في عده محافظات من شمال مصر إلى جنوبها من خلال رحله العائلة المقدسة، وفي كل محافظة من هذه المحافظات هناك مكان أثري يشير إلي وجود العائلة المقدسة ومسارها، فقمنا بالاهتمام بتطوير هذه المناطق وتنميتها عمرانيًا وسكنيًا واجتماعيًا، لأن البيئة الاجتماعية هي أهم شيء وأهم أثر، وهي التي تحافظ على الأثر، فعلي سبيل المثال “شجرة مريم” في المطرية كان حولها مساكن شعبية كثيرة، وهذا للأسف كانت بدايته في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، فأصبح المكان المحيط بالشجرة بسبب ذلك، عبارة عن ” مقلب قمامة” فتولينا هذه المهمة، وقمنا بالاتفاق مع محافظ القاهرة بأننا من سنتولى مهام تطوير المكان ولن نكفل المحافظة شيئًا خلال عمليات التطوير، وبالفعل تبرع أحد أعضاء الجمعية وهو رجل أعمال بمبلغ التطوير، وبدأنا بجمع القمامة المحيطة بالشجرة وقمنا بطلاء واجهات العمارات المحيطة بها وكذلك سور الشجرة، وبعد ذلك استقدمنا أعضاء من الجمعية لعمل جداريات علي سور الشجرة من الداخل، بحيث تحكي الجداريات رحلة العائلة المقدسة إلي مصر وخاصة شجرة مريم أحد المحطات المهمة في المسار.

كيف تري نظرة المجتمع المصري في الوقت الراهن لتراثه وحضارته؟

غالبية الشعب المصري يجهل تمامًا حضارته وتاريخه ويمكن من خلالكم أنتم كطلاب إعلام ومن خلال دراستكم وعملكم أن تنادوا بأن تدرس الحضارة المصرية في كل المراحل التعليمية من ابتدائي وحتي المرحلة الجامعية، وبداخل الكليات التي يبعد مجالها عن ذلك أيضا، كالهندسة، والطب، والإعلام، والتربية، والآداب، والتجارة، “فلا يوجد احد سيحافظ علي تراثنا إلا شعبنا”، ولابد أن تكون البداية من الأطفال،  فعندما نبدأ مع الأطفال ونقوم برفع درجة الوعي لديهم سيكون لذلك مردود كبير جدًا على المجتمع ككل وعلى حضارتنا المصرية بشكل خاص، لان حضارتنا “مغلغلة” في التاريخ وواجب علينا أن نحافظ عليها ونسلمها للأجيال القادمة، وهذا دور مهم جدًا، فعندما يقوم كل جيل بتسليم حضارتنا وهويتنا وتاريخنا وتراثنا وآثارنا للجيل الذي يليه سنحافظ عليها.

ماذا لو حدثت فجوة بين الأجيال فيما يتعلق بنقل الوعي بأهمية التراث؟

لو حدثت فجوة بين الأجيال، سوف تدمر أشياء كثيرة وتفقد وقد تنسي للأبد، فلا يكون هناك تطور أو تنمية، ومن أجل ذلك تقوم الجمعية بدور كبير في هذا الموضوع، وأتمنى أنتم كطلاب أن تتخصصوا في جزء من هذا التاريخ وهذه الحضارة ويكون لديكم مردود قوي وأن تشاركوا في الحفاظ على تراثكم وحمايته وفي التعريف به، والتعريف بالتراث مهم جدًا خاصه اننا الآن قد نشاهد طيار يحاول هدم الحضارة المصرية، ويحاول تقليص دور مصر في الشرق الأوسط، بل وفي العالم أجمع، فالتجهيل بمصر وعدم الاهتمام بتراثها قد يؤدي إلى إلغاء دور مصر على المستوى الإقليمي والعالمي، وهذا دوركم يا شباب لابد أن تخوضوا التجربة هذه في أبحاثكم وتشعروا ان لكم دور مهم في الحفاظ علي تراثنا وكيفية حمايته.

هل أثرت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل جيد على التراث والثقافة المصرية ؟

بالطبع تؤثر “السوشيال ميديا” بشكل كبير على التراث والثقافة المصرية لأن “الفيس بوك” والمواقع الإلكترونية والمنصات والتلفزيون، أحدثوا نقلة غير عادية، فحاليا هناك أفلام تسجيلية عن الأهرامات، تدخلنا داخل الهرم وتشرح لنا الابعاد الخاصة به، ففي برنامج “صباح الخير يا مصر شاهدت فيلمًا عن شارع المعز، وشارع المعز يحتوي على حوالي 30 أثر إسلامي من الآثار الفريدة في تاريخ مصر، وفي هذا السياق فإن الجمعية كان لها دور كبير في إغلاق شارع المعز، وقومنا بعمل وقفات احتجاجية هناك في شارع المعز من أجل إغلاقه، لأنه كان منتهك من قبل العربات وسيارات النقل، فقولنا لابد أن يكون هذا الطريق للمشاه فقط، لأنه شارع مهم؛ أولًا لكثرة الآثار الموجودة فيه، ثانيًا لخلق فرصة للسياح للسير فيه بكل اريحية ليتمتعوا بجمال الآثار الموجودة.

ما المشاريع التي كنت تود القيام بها ولن تستكملها وحزين عليها ؟

كنا قد اقترحنا مشروعًا للحفاظ علي “مسار أهل البيت، لأن لدينا في مصر كم هائل منه، لكن للأسف المشروع لم يتم الموافقة عليه، فقمنا بتأجيل المشروع، والذي كان يعادل مسار العائلة المقدسة، فالأماكن التي زارتها العائلة المقدسة كانت كثيرة وفي مختلف المحافظات ومنها القاهرة والمطرية والمعادي، نفس الأمر فمزار أهل البيت داخل مصر كثير، مثل الحسين والسيدة زينب والسيدة عائشة، فهذه الأماكن من الممكن أن نستغلها في عمل حج لها، والذي سيعود بالمليارات علي مصر من خلال توجيه السياحة الدينية، لأن السياحة الدينية فرع مهم جدًا من فروع السياحة ومن الممكن أن تعادل السياحة الاثرية.

 ما الخطوات الجادة التي تتخذها الجمعية في سبيل الحفاظ على التراث المصري؟

بالنسبة للجمعية، فنحن عند كل رحلة نقوم بتنظيمها إلي أحد الأماكن الأثرية، نعد تقريرًا عن كل الإيجابيات والسلبيات الموجودة في مكان الرحلة، وكل هذه التقارير نرسلها للمسؤولين، وفي التقرير نبرز كل مكان أو كل أثر ماذا يحتاج وما الذي ينقصه، وإذا كان مكتمل العناصر فنقوم بالإشادة به.

هل ترى أن هناك محافظات تحصل على القسط الكافي من الترويج لها ولتراثها ومحافظات لا يحدث لها ذلك؟

محافظات مصر جميعها توجد بها آثار والمشكلة أن الوزارة أو الدولة لا تري غير الأقصر علي أنها هي عملاق الآثار مع أنني أري أن المنيا تعادل الأقصر في القيمة الأثرية، لأنها تتسم بالتنوع السياحي، فيوجد بها آثار مصرية قديمة، وآثار قطبية، وآثار إسلامية، بخلاف أن الطبيعة في المنيا رائعة، فأكبر عرض للنيل يوجد في المنيا، كما يوجد بها جبل وزراعة، والمنيا تضم أيضا “جبل الطير”، وهو مكان إذا وقفت علي قمته لشاهدت روعة الطبيعة الخلابة، لكن للأسف لا يوجد تسويق لهذه الأماكن، التسويق كله منصب علي الاقصر وأسوان والمتحف الكبير وأماكن بداخل القاهرة، لكن المحافظات الأخرى لا تأخذ نصيبها من هذا الأمر، ونحن كجمعية نريد تسليط الضوء على كل محافظات مصر، فالفيوم أيضا غنية بالتراث والآثار، وكذلك بني سويف وأسيوط، والإسكندرية والبحيرة، ولا يوجد محافظة مصرية خالية من الآثار والتراث، فنحن نريد شباب مثلكم يسلط الاضواء على هذه الأماكن، ويجري أبحاث علمية عليها، وينشر وعي مجتمعي بها في الجامعة، لأن الدراسة في الجامعات الآن للأسف دراسة نظرية وامتحانات فقط، ولا يوجد خلالها رحلات ترفيهيه أو رحلات علمية تقوم بتوعية الطلاب بتراث مصر.

« صفية القباني » نقيب الفنانين التشكيليين الأسبق: الفن القبطي موروث ثقافي غير عادي .. وتصاميم المطارات الحديثة وكذلك مترو الأنفاق مُستوحاه جميعها من مفردات الفن المصري

الجداريات والمتاحف التي أنشأها المصري القديم سجلت الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية

حوار: محمد عبد الله

تمتلك مصر تراثًا بصريًا غنيًا عبر العصور المختلفة  ويعد كل من الفن التشكيلي والتصوير مرآة للهوية الثقافية والحضارية لمصر، ولعب الفن التشكيلي دورا كبيرا في ظهور شخصية مصر ابتداء من الفنون الفرعونية، والقبطية، والإسلامية، ووصولًا إلى الفن المعاصر، ولهذا السبب قرر موقع موروث إجراء حوار خاص مع الدكتورة صفية القباني  أستاذ قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان وعميد الكلية الأسبق ونقيب الفنانين التشكيليين الأسبق.

في البداية تحدثت “القباني” عن الكلية قائلة: أنا أتحدث اليوم عن موضوع مهم جدًا من داخل قسم التصوير في كلية الفنون الجميلة عن الهوية والتراث المصري، والتي أنشأت في عام 1908، وقد أنشأها البرنس يوسف كمال كأول مدرسة أهلية لتعليم المصريين والأجانب الفنون وأوقف عليها الأطيان والأراضي لتعليم الطلاب، فوجب أن نقدم تحية شكر وتقدير للأمير يوسف كمال، والذي كان هدفه من إنشاء الكلية هو تعليم الفن.

وأضافت: كان أول طالب يدخل كلية الفنون الجميلة هو محمود مختار المثال العظيم الذي ارتبط نحته ارتباطًا شديدًا بالهوية المصرية ولقبوه بـ “سيد الفراعنة” لأن كل أعماله وكل التماثيل التي صممها كانت مستوحاه من الخطوط المستقيمة وتبسيط النحت، حيث أخذ القيم من المصري القديم ودمجها بأسلوبه الخاص فأصبح محمود مختار أول مثال له بصمة وله شخصية تؤكد على الهوية المصرية من خلال النحت، وكان قد التحق بالكلية في عام 1908، وتخرج منها بعد مضي ثلاث سنوات، عندها كانت مدة الدراسة في الكلية أربع أو خمس سنوات، وسافر إلى  فرنسا وأسس مشروعًا واشترك بمسابقات في فرنسا، وحصل على جوائز عدة، وله تمثال صغير لنهضة مصر الموجود أمام جامعة القاهرة، وهو عبارة عن أسد أو أبو الهول وسيدة مصرية، إذ يمثل أبو الهول نهضة مصر، والسيدة المصرية تأكيد على الهوية المصرية، وهذا التمثال يعد أول تمثال يُخصص له كتابًا كاملًا.

وأكملت: “كما أن لدينا أيضًا الفنان عبد الهادي الجزار وهذا فنان كبير مشهور بالهوية المصرية وتدعمها أعماله، حيث قام بأخذ “الزار” والشعوذة والرموز والطلاسم والموالد والسحر في لوحاته العالمية عن الهوية المصرية، كما أن لدينا أيضًا الفنان “محمود سعيد” الذي رسم بنات بحري واسكندرية والمراكب والملاءة اللف، وكلها تمثل رموزًا للهوية المصرية ودعمًا لها في أعمال الفنانين”.

ويمثل كل من محمود سعيد وعبد الهادي الجزار أعلامًا في الفن؛ وأسماء معروفة في المزادات الفنية العالمية، وقد أعدت لهما موسوعات خاصة ضمَّت ووثقت أعمالهما، وهناك أيضًا الفنان أحمد صبري وهو من الجيل الأول بكلية الفنون الجميلة، ومن أعماله الشهيرة لوحة “الراهبة المسيحية”، وهي لوحة موجودة في مقر الأمم المتحدة في بيت السفير في واشنطن، والحقيقة أن كل مكان داخل مصر هو مليء بالفن والفنانين ومن ذلك أعمال الفنان المصري القديم، والفن القبطي والفن الإسلامي.

الفن القطبي موروث ثقافي غير عادي

وعن الفن القبطي تحدثت قائلة: الفن القبطي موروث غير عادي، ترك لنا زخارف كثيرة على الكنائس وجميعها لها معاني، وهذه المعاني تُبرز لنا مدي اضطهاد الأقباط في عهد الرومان، وقد قاموا الفنانون خلال هذه الفترة بالذات برسم هذه النقوش والزخارف من أجل الحفاظ على ديانتهم بشكل سري، فكان الأقباط يعرفون بعضهم سرًا دون تصريح حتى لا يتعرضوا للاضطهاد. واليوم أصبحت هذه الأعمال موروثًا ثقافيًا وجزءًا من الهوية المصرية، وأصبحنا نستخدمها في الزخارف والنقوش على الذهب والفضة وفي الأواني.

بل إن الجداريات والمتاحف التي أنشأها المصري القديم هي بمثابة سجل للحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، فهو لم يترك شيء إلا وقام بتدوينه على جدران المعابد والجداريات، ومن ذلك الطعام والشراب والولادة والذبح وعبادة الإله والموت والحياة .. إلخ. وقد أصبحت هذه الأعمال جزءًا من حياتنا حتى يومنا هذا، والدليل على ذلك ما نراه اليوم من آثار ومعابد وحتى الأهرامات وغيرها من الأعمال المصرية القديمة بل إن تصاميم المطارات الحديثة في الأقصر وأسوان وشرم الشيخ مُستوحاه جميعها من مفردات الفن المصري، وكذلك مترو الأنفاق في محطة التحرير والمرسوم داخله صورة للعازفات الثلاث بخامة الموزاييك، وهي بالأساس مستوحاة من لوحة مصرية قديمة.

والسر في هذا التميز للأعمال المصرية القديمة هو أن للمصري القديم نسبًا مثالية لا يتعداها في النحت والرسومات، حيث اختار أجمل وضعية في الإنسان من وجهة نظره؛ فأخد العين الأمامية لأنها جميلة، وأخذ الصدر الأمامي لأنه جميل، وأخد الرجل الجانبية لأنها جميلة في الرسم والنحت .. إلخ، ولذلك فإنك عندما تنظر إلى أية رسمة فرعونية؛ ستشاهد جمال الفن والإبداع عند المصري القديم.

الفن الإسلامي

الفن الإسلامي فن يتحدث عن أمرين مهمين، وهما الزخارف الهندسية والنباتات الزخرفية، فعندما تدخل أي مسجد أو أي مكان يوجد به فن إسلامي ستشاهد الخطوط جميعها متشابكة، لا تستطيع معرفة من أين بدأت أو انتهت فهي تأكيد على أن “الله موجود ليس له بداية ولا نهاية”، وهذه فلسفة الفن الإسلامي، وسترى ذلك في الأطباق النجمية والزخارف النباتية.

الفسيفساء الرخامية

الفسيفساء هي أصلها مصري، ولها نوعين، الأول: الرخامية التي تُصنع منها النوافير والمحاريم وأرضيات المساجد القديمة، وهذه عبارة عن قطع رخام صغيرة من الألوان الطبيعية، أما الفسيفساء فيتكون أصلها من مزيج روماني يوناني، وهي أيضًا عبارة عن قطع من الأحجار الملونة، فهي تعد أقرب إلى الزجاج والأحجار، وهي تقاوم عوامل التعرية وتعيش مع الزمن.

كيف يتأثر الفنان المصري ببيئته؟

لقد تأثر الفنان المصري برموز بيئته؛ على سبيل المثال الفنان “حسين بيكار” وهو فنان وشاعر مصري كان له مانشيت خاص به ويحمل اسمه في جريدة الأخبار، اعتاد رسم المرأة المصرية بالحجاب والجلباب اللذين يشتهر بهما أهالي النوبة بالإضافة إلى استخدامه اللون الأبيض والمثلثات المستخدمة في زخرفة منازل النوبيين، ويرجع ذلك لإقامته لفترة طويلة في النوبة.

كما تأثر رسام الكاريكاتير المصري “صلاح جاهين” ببيئته، وقد جسد العرض المسرحي الشهير “الليلة الكبيرة” الموالد المصرية كجزء من هويتنا، ومن ذلك وجود الراقصة، والألعاب المصرية المتنوعة والألعاب القتالية التي يمارسها الشباب داخل هذه الموالد، وهي مظاهر قام بتوثيقها الأستاذ الدكتور ناجي شاكر -رحمه الله- أستاذ العرائس والسيموغرافيا بكلية الفنون الجميلة ومعه صلاح السقا وسيد مكاوي.

وهي أعمال تسعى الدولة لتوظيفها من أجل ترسيخ الهوية المصرية داخل النشء؛ على سبيل المثال يقوم مسرح العرائس وصندوق التنمية الثقافية بتنظيم العرض المسرحي الليلة الكبيرة في المدارس وعلى المسارح أمام الأطفال والغريب أنه يحظى برواج كبير بين الأطفال رغم اختلاف الأجيال كونه توثيق حقيقي للهوية المصرية.

إنشاء متحف بداخل الكلية للحفاظ على أعمال الفنانين  

“لقد أسس هذا المتحف الجيل الأول من أساتذة الكلية، إذ قام دكتور يحيي عبده بالاشتراك مع الدكتور محمد مكاوي والدكتور السيد قنديل -رحمهم الله- وهم عمداء سابقين للكلية، بتحويل فيلا “منى عبود” إلى متحف، واعتاد أستاذنا الدكتور صلاح عبد الكريم، رحمه الله، شراء لوحات الفنانين ليضعها في المتحف، وعندما توليتُ أنا عمادة الكلية؛ قمت بإعادة استخراج وترميم الأعمال المخزنة داخله، وعمل سيناريو عرض لمتحف كليتنا، وبالطبع فإن وجود هذا المتحف يمثل قيمة كبيرة للمكان ولأساتذتنا.

وماذا عن توليكِ منصب المستشار الفني لرئيس الجامعة الروسية؟

تمثل دوري كمستشار للفنون في المساعدة في كافة الأنشطة المتعلقة بالفنون المختلفة ومن ذلك تنظيم مسابقات فنية لتشجيع الشباب، وتشجيع المدارس على تنظم زيارات إلى الكلية والاشتراك في ورش العمل والمعارض، وهو ما يساعد النشء على تطوير مواهبهم الفنية، بالإضافة إلى دوري في إقامة شراكات مع كليات الفنون الجميلة الأخرى والفنون التطبيقية، وقد لاقت كافة الأنشطة بالمجمل رواجًا كبيرًا نابعًا من كون كلية الفنون الجميلة من الكليات التي يرغب الكثير من الشباب في الالتحاق بها.

ما النصائح التي تقدمينها للشباب من أجل إعادة الاهتمام بالتراث والفن والثقافة المصرية؟

الشباب بحاجة ماسة إلى القراءة والثقافة، ومن ذلك متابعة العروض والأنشطة والندوات التي تنظمها وزارة الثقافة، كما أنصحهم بعدم الانسياق وراء الغرب والتقليد الأعمى له، صحيح أن الغرب عنده مميزات فيما يتعلق بالمستوى العلمي، لكن ذلك لا ينفي أن الارتباط بالهوية هو أكثر ما يميز الإنسان، والخروج من عباءة الهوية الأصلية مستحيل؛ فكلما حاولت الوصول للعالمية التصقت بالمحلية، أما الغرب فهو ليس بحاجة إلى أشخاص لتقليدهم، هم فقط يمثلون هوياتهم وبيئتهم، ونحن كذلك تمثل ملابسنا وصنعتنا ويجسد طعامنا وشرابنا هويتنا الحقيقية.

ماذا عن دوركِ في إنقاذ قرية القرنة الخاصة التي أنشأها المعماري حسن فتحي؟

المعماري العظيم حسن فتحي معماري له نظرية في العمارة تؤكد على الهوية والبيئة والاستدامة، وقد كان أستاذً في قسم العمارة بكلية الفنون الجميلة وقام بإنشاء قرية تسمي “قرية القرنة” في محافظة الأقصر، والتي أكد فيها على الهوية المصرية، وكان له مقولة شهيرة: “ابني باللي تحت رجليك” في إشارة منه إلى البناء بالطين لتقليل أثر الحرارة والشمس، ومن هذا المنطلق قام ببناء قرية كاملة من الطين في الأقصر، وكان له أمنية خاصة وهي أن تكون هناك مدرسة لتعليم الأهالي طريقة البناء التي تناسب طبيعة المكان، وقد نظمتُ حملة اسمها: “كلنا حسن فتحي ونحن أَولى بحسن فتحي” هدفها ترميم قريته التي أنشأها، وقد استجاب لنا آنذاك صندوق التنمية الثقافية واليونيسكو ورمموا القرية، ولا زالت موجودة حتى اللحظة ومتاحة للزيارة. وقد سار على نهجه “رمسيس ويسا واصف” صديقه الذي أنشأ قرية “الحرانية” وهي قرية كبيرة متخصصة في صناعة السجاد اليدوي.


‏« الخيامية » مهنة أجدادنا الفراعنة على حافة الهاوية

خبير أثري:

الخيامية من أهم وأقدم المهن التراثية في مصر ومبيعاتها تراجعت خلال السنوات الماضية

عاملون بالمهنة:

“النهاردة الجيل القديم بتاعنا خلاص مروح، ومفيش جيل جديد يكمل مسيرتنا”

تحقيق: فارس عز الدين، أحمد طه، موسى محمد

في ظل العصر التكنولوجي الذي نعيشه الآن، يركض الكثير منا وراء المنتجات الصناعية الحديثة، التي يتدخل في صناعتها العامل التكنولوجي، بما يوفره منا آلات صناعية ومعدات حديثة، فالناس وأصحاب المصانع يرون في هذه المنتجات مميزات كثيرة، مثل: سرعة الإنتاج، وتوفير الوقت والجهد، والسعر المنخفض، وفي الناحية الأخرى، لدينا منتجات الحرف اليدوية، والتي كانت ولازالت هي أصل كل الصناعات، ووراء كل المنتجات المختلفة التي احتاجها الإنسان على مر العصور المختلفة، ومن هذه المنتجات الحرفية القديمة مهنة الخيامية التي وصفها العاملون بها بأن قليلًا ما ينظر إليها في وقتنا الحاضر، وبالرغم مما قدمته هذه المهنة سابقًا، وبالرغم من جودة صناعتها وعمرها الافتراضي الطويل وشكلها الجمالي المبهج، إلا أن العاملين فيها يرونها على حافة الهاوية، بل وفي طريقها للاندثار.

وفي سبيل سعي «موقع موروث» للحفاظ على هذه الحرفة اليدوية المصرية الأصيلة، قرر فريق الموقع التوصل مع صناع وعمال هذه الحرفة لعرض أوضاعهم وما وصل بهم الحال إليه، خاصة بعد انتشار المصانع والآلات الحديثة.

مهنة الخيامية هواية لبعض العاملين بها وموروث الأبناء من الآباء لدى البعض الآخر

يقول محسن شعبان“اسمي محسن شعبان وشهير باسم “محسن الخيمي”، عمري 76 سنة، أعمل في هذه المهنة منذ ما يقارب من 55 سنة، وهي لم تكن توارثًا عن العائلة، وإنما تعلمتها منذ الصغر كهواية، وأيضًا كمصدر للرزق، لكنني قمت بتوريثها لابني من بعدي، فهو الذي سيكمل العمل في هذه المهنة إن شاء الله.

وفي أحد محلات ورش الخيامية بشارع الخيامية بالدرب الأحمر، أكد حسن كامل على أنه يعمل في هذه المهنة منذ أكثر من 30 عامًا، وأن مهنة الخيامية كانت مهنة الآباء والأجداد، ورغم تخرجه من الجامعة إلا أنه لم يتطرق لمجال عمل يرتبط بدراسته، وفضل الاستمرار في المهنة التي ورثها عن عائلته، من خلال ورشته المزخرفة التي تقع في خان الخيامية.

تطور مهنة الخيامية حكاية صنعها الآباء والأجداد ويحكيها لنا الأحفاد

وعن بداية العمل في المهنة يقول محسن شعبانفي البداية كنا نصنع “الأصونة” الخاصة بالجنازات والأفراح، وبعد ذلك دخل الطبع على هذه المهنة، والذي كنا نستخدمه في المواسم مثل موسم شهر رمضان، لكن هذا الطبع قضي على طريقة عمل الأصونة، وحاليًا بدأنا نقوم بتطوير مصنوعاتنا، فبدأنا نصنع المشغولات الإسلامية والعربية والفرعونية، من خلال نقل أفكار هذه المشغولات من الأقصر وأسوان، بجانب الأماكن القديمة، مثل: جامع السلطان حسن، وجامع الرفاعي، والجامع الشافعي، كمرجع لنا في هذه الأعمال، وبعدما نقوم بتصميم هذه المشغولات نقوم بعمل “اسطمبا” لها بحيث يكون لكل قطعة “اسطمبا” معينة لها، ثم نقوم بتجهيزها ونقلها على القماش بطريقة الطبع، وبعد ذلك يتم تحديدها بالإبرة أو بتراب الفحم، ثم نرفع “الأسطمبا” ثم يتم تحديدها مرة أخرى بالقلم الرصاص، ثم يتم تحديد كل قطعة ونقوم بتلوين الألوان عليها، كما هو واضح في كل قطعة.

وعن خان الخيامية أكد حسن كامل على أن هذا الخان لم يكن موجودًا في الماضي، وإنما جاءت تسميته من أضرحة الموالد التي كانت تُقام منذ زمن، وكانت تُسمى الخيامية، وجاءت من لفظ خيمة أو خيام، وهي الخيمة التي كان يُسكن فيها الناس في الأفراح و”المياتم” قديمًا.

وتابع حسن كلامه متحدثًا عن تاريخ المهنة وحكايتها التي توارثها من الآباء والأجداد قائلًا: “مع الانفتاح الاقتصادي بعد افتتاح قناة السويس سنة 1875، بدأت الناس تأتي إلى أماكن وجود الخيامية، فبدأ أجدادنا في تطوير هذه الخيام عن طريق إضافة الوسائد والستائر لهذه الخيام، وجميعها كانت “شغل يدوي”، وفي هذه الحرفة يوجد العديد من الفنون المتنوعة والمشغولات المختلفة، فهناك المشغولات الإسلامية التي نأخذها من المساجد، والمشغولات الفرعونية التي نأخذها من المعابد، وهنالك أيضًا فن العصافير، وحاليًا يوجد اختلاف في التصميم، فهناك تصميم قد يكون صغيرًا فيأخذ وقتًا وجهدًا أكثر، وهنالك تصميم واسع فيحتاج إلى جهد أقل، وعلى أساس ذلك يتم تحديد ثمن الشغل، فكلما احتوى الشغل على تفاصيل أكثر كلما زادت التكلفة، والأسعار تختلف أيضًا مع الدقة ومن تصميم إلى آخر.

قلة الأيدي العاملة بالخيامية تقلق العاملين بها

وأبدى محسن شعبان تخوفه الشديد على المهنة قائلًا: “المهنة حاليًا تنقرض ولا يوجد أحد يُقبل على تعلمها، ونفسي الشباب في الوقت الحالي يهتموا بيها ويتعلموها علشان متمتش، وياريت المسؤولين يهتموا بالصنعة، ويشجعوا الشباب على تعلم الحرفة، عشان متموتش، فالنهاردة الجيل القديم بتاعنا خلاص مروح، ومفيش جيل جديد عايز يشتغل في المهنة ويكمل مسيرتنا”.

ويرى حسن كامل أن أهم أسباب تراجع المهنة ارتباطها بالسياحة، مؤكدًا على أن السياحة حاليًا غير مستقرة لارتباطها بالأحداث الجارية في العالم، فبوجود الاستقرار توجد السياحة، وبوجود السياحة تنتعش المهنة.

وتابع كامل كلامه قائلًا: “المهنة حاليًا تتأثر بالعديد من الأحداث الجارية، فالإرهاب يؤثر عليها، والحروب الجارية في فلسطين، وكذلك التي بين روسيا وأوكرانيا، والأزمة التي حدثت في منطقة البحر الأحمر أثرت على التجارة، وهذه الأحداث جميعها تؤثر على الخيامية والسياحة بشكل عام، فبسبب كل هذه الأوضاع قلت أعداد السياح في مصر، ومن ثم قل الطلب على منتجات الخيامية.

خبير أثري.. الخيامية واحدة من أهم وأقدم المهن التراثية في مصر

في هذا السياق صرّح الدكتور خالد سعد، الخبير الأثري ومدير إدارة آثار ما قبل التاريخ بوزارة السياحة والأثار، أن مبيعات منتجات الخيامية التقليدية شهدت تراجعًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، مقارنةً بالسنوات السابقة.

وأوضح الخبير الأثري أن هذا الانخفاض يرجع إلى عدد من العوامل، من بينها: ثورة يناير لعام ٢٠١١، وارتفاع أسعار المواد الخام، وتراجع القوة الشرائية، إلى جانب المنافسة الشديدة من المنتجات المستوردة التي تُباع بأسعار أقل.

وأكد سعد على أن حرفة الخيامية تُعد واحدة من أقدم وأهم الحرف التراثية في مصر، وتعكس هوية فنية وثقافية متميزة، داعيًا إلى ضرورة تكثيف الجهود لدعم الصناع المحليين من خلال مبادرات تسويقية ومعارض دائمة، وتشجيع المستهلكين على اقتناء المنتجات التراثية المصرية، مشيرًا إلى أهمية دور الدولة والقطاع الخاص في الحفاظ على هذا التراث الوطني، وتوفير المناخ المناسب لاستمرار الحرفيين في ممارسة عملهم بما يضمن استدامة هذه الحرفة العريقة.

ويرى سعد ضرورة تحول مصر من سياحة الرؤية إلى صناعة السياحة، موضحًا أن ذلك سيساعد على إعادة الحرف اليدوية لمكانها من جديد.

واستكمل سعد كلامه: “لابد أن يكون لمصر منتج مرتبط بتراثها يقدم للسائح بمقابل، مثلما فعلت الصين فهي تصدر منتجات مرتبطة بتراثها، ونحن لدينا كم هائل من المؤسسات الصناعية المرتبطة بالتراث، من: أثاث، وزخارف، وحلي، وملابس، والكثير، ولكل نمط من هذه الأنماط له مؤسسات صناعية.

وتساءل سعد لما لا يكون هناك مصنع متخصص في صناعة الملابس المصرية؟ فنحن لدينا في مصر العديد من مصانع الملابس فلما لا يوجد بينهم من هو متخصص في صناعة الملابس المصرية القديمة، فلو وجدت هذه المصانع والمؤسسات سوف يكون هناك منتج مصري بجانب المواقع الحضارية والتراثية، وهذا بالفعل سيساعد على وجود كم مهول من الصناعات المرتبطة بالتراث الذي يستفيد منها الزائر للأماكن الأثرية التراثية.

وأضاف: علينا تأهيل العاملين بالمهن التراثية وإشعارهم بدورهم في المجتمع، وأن هذا فيه منفعة لهم.

وتابع: هناك منتجات لابد أن تنتشر في جميع ربوع مصر، مثل: منتجات الفخار والسجاد في “الحرانية”، والصدف، ومنتجات المرمر في الأقصر، موضحًا أن ذلك يقع على عاتق الدولة، التي يجب عليها توجيه القطاع الخاص والمجتمع المدني لهذا الأمر ومساعدتهم لبعضهم البعض لتحقيق ربح متبادل.



















 

الفنان التشكيلي الأستاذ الدكتور/ محمد ماضي عميد كلية الفنون التطبيقية جامعة بني سويف الأسبق وعضو لجنة الخبراء بقطاع الفنون والتربية الموسيقية بالمجلس الأعلى للجامعات: النحت أبو الفنون ولولاه لاختفت واندثرت الحضارة المصرية


 

يُعدّ الفن التشكيلي أحد أهم أدوات التعبير عن الهوية الثقافية والتاريخية للمجتمعات، ويأتي فن النحت على رأس هذه الفنون باعتباره فناً ناقلاً للحضارة على مر العصور ولغةً خالدة تحفظ الملامح والرموز وتوثق الحكايات. وفي هذا السياق، إلتقى موقع موروث بالأستاذ الدكتور محمد ماضي، عميد كلية الفنون التطبيقية بجامعة بني سويف الأسبق، وأحد رموز الفن التشكيلي في مصر، لنتعرف على رؤيته حول دور الفنان التشكيلي في نشر هوية مصر وكيف يمكن للنحت أن يساهم في الحفاظ على التراث المصري، ونقل الإرث الحضاري إلى الأجيال القادمة.

حوار: محمد عبدالله

متى نشأ الفن ؟

نشأ الفن عموماً  مع الإنسان البدائي الذي سكن الكهوف وكان شديد الأعجاب  بالحركة  فحينما كان يرى حيوان أو طائر يتحرك كان يرسمه على جدران الكهوف وكان يطبع يده كبصمة بدماء ما يصتاده من فرائس على هذه الجدران , وعندما كان يفشل في صيد الكائنات المفترسة  مثل النمور والأسود وغيرها كان يرسمها على جدران الكهف الذي يعيش فيه ويضع به حربه  ليقتل شعور الخوف بداخلة، ويمكن القول أن الإعجاب والخوف من أسباب نشأة الفن عند الإنسان البدائي، وأخذ فن النحت مجراه إلى أن وصل إلى الشكل الحالي المتعارف عليه بما فيهم منذ الفن المصري القديم حتى الفن الحديث والمعاصر.

بصفتك فنانًا تشكيليًا، كيف ترى مكانة فن النحت مقارنةً بالفنون الأخرى كالتصوير والجرافيك؟

النحت هو أبو الفنون فأي شخص يمتلك  موهبة النحت فهو يمتلك جميع مجالات الفن من رسم وغيرها ,ويختلف فن النحت كثيرًا عن فن التصوير أو فن  الجرافيك بأنه ينحت من جميع الزوايا أي من 360 زاوية.

ما العلاقة بين اعتقاد المصريين القدماء في الحياة بعد الموت واهتمامهم بفن النحت وبناء المقابر؟

فن النحت هو فن ناقل للحضارة ولولاه لاختفت واندثرت الحضارة المصرية والفنون الحضارات الاخرى ، فالمصريين اهتموا بفن النحت مثلما اهتموا بفن التحنيط لاعتقادهم بالحياة الأخرى بعد الموت فاهتموا ببناء المقابر ونحت التماثيل بأصلب أنواع الأحجار، وكان لدى المصريين القدماء حكمه تقول: “كل ما يتحرك يموت” فكان المصري القديم يستخدم أنواع محددة من الحجارة ويقوم بالنحت عليها ليضمن لها البقاء لفتره أطول وتلك هي حكمة الخلود مع عقيدته

ما الذي يميز النحت المصري القديم عن غيره من الحضارات مثل الإغريقية؟

المصري القديم كان دائمًا يهتم بنحت التماثيل ككتله ولا يتخللها فراغ لذلك سنجد معظم تماثيلهم باقيه كامله حتى الآن على عكس مثلا التماثيل الإغريقية والتي كان يتم نحتها على حجاره من الرخام على عكس المصري القديم الذي كان ينحت على حجاره من الجرانيت والشيست وهي أحجار صعب النحت عليها وفي الوقت الحالي يتم النحت عليها بجهاز الليزر رغم أن المصري القديم كان ينحت عليها بأعلى دقة ونعومة ملمسها الرائع وبأدوات تقليديه بسيطة آنذاك.

في ظل التطور التكنولوجي السريع، كيف ترى تأثير التكنولوجيا على فن النحت التقليدي والحرف التراثية ؟ وهل يمكن أن تحل الآلة محل إحساس الفنان اليدوي؟”

التكنولوجيا سلاح ذو حدين وتؤثر  بالسلب والإيجاب على الحرف التراثية لذا يجب على الفنان الذي يعمل في الحرف التراثية أن يقوم بتحديث نفسه بشكل مستمر حتى يستطيع مواكبة التقدم الذي يحدث من حوله.

فالفن نفسه دخل فيما يسمى بالفن الرقمي حيث يقوم الذكاء الاصطناعي بالنحت بعض الموديلات والتماثيل بواسطه التكنولوجيا ولكن لا يمكن المقارنة بين التكنولوجيا في الفن ويد الإنسان لان يد الإنسان تمتلك الإحساس العالي.

تمتلك محافظة بني سويف موارد طبيعية نادرة مثل مادة الطفل وحجر الألباستر، فكيف يمكن استثمار هذه الموارد بشكل أمثل لدعم فن النحت وتنشيط الاقتصاد المحلي؟”

يعتبر مادة الطفل وحجر الألباستر من أهم  الموارد المادية الموجودة  بمحافظه بني سويف حيث تستخدم كمواد خام في النحت وصناعة الخزف ، ويتم تصدير حجر الألباستر من المحافظة لدول العالم لأنه لا يوجد سوى في محافظه بني سويف وهذه الموارد يجب استغلالها بشكل أمثل وأفضل مثل تنظيم معارض محلية ودولية لعرض منتجات الألباستر النحتية، وربطها بالسياحة الثقافية، مما يعزز من القيمة السوقية للفنانين المحليين، وبدلاً من تصدير حجر الألباستر كمادة خام فقط، يمكن تصنيع قطع فنية ومنتجات زخرفية عالية الجودة تُصدر للأسواق العالمية، مما يرفع العائد الاقتصادي ويزيد من قيمة المنتج اليدوي .

قمت بنحت الكثير من التماثيل فما سر نحت الإمام البوصيري ابن محافظه بني سويف أمام محطة القطار؟

نحت تمثال الإمام البوصيري ابن محافظه بني سويف له قصه، ففي شهر مارس من عام 2019 جاءت لي مكالمة هاتفية من مبني محافظة بني سويف وطُلب مني مقابلة محافظ بني سويف المستشار هاني عبد الجابر وفي تلك الفترة كان محافظ بني سويف يقوم بتجديد ميدان المحطة لذلك كان يريد أن يجعل كل شيء في ميدان المحطة يخص محافظه بني سويف لأن هذه المحطة يجتمع فيها أشخاص من محافظات مختلفة فقمت بدراسة المنطقة بشكل جيد وجاءتني فكرة نحت جسد الإمام البوصيري ووضعه أمام محطة القطار، وبالتنسيق مع إدارة الجامعة أ.د/ منصور حسن رئيس الجامعة وأ.د/ هشام بشرى نائب رئيس الجامعة لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة  وأ.د/ تامر عبد اللطيف عميد الكلية آن ذاك  اعجبوا بالفكرة خاصة وأننا قمنا بعمل بورتريه بارز للبوصيري ضمن فكرة أعلام بني سويف, فالبوصيري ابن قريه أبو صير الملق مركز الواسطي وبالمناسبة والدته تدعى صويلحة وهي من قريه دلاص مركز ناصر، وعرضت الفكرة على محافظ بني سويف ووافق فورًا على أن يتم إنشاء هذا التمثال له لأنه شخص يمثل قيمة خاصة باشتهارة بقصيدة البردة والتي تعتبر من أفضل قصائد مدح الني عليه أفضل الصلاة والسلام والعالم كله يحتفل به ويحتفل بذكرى ميلاده وبقصيدة البردة في مدح الرسول صلى عليه وسلم

وكذلك في مسجد محمد علي بالقاهرة في القلعة بل وموجوده أيضا في العديد من المنازل والعديد من الدول الإسلامية والدول الأجنبية وهو له قصه شهيرة حيث أصيب بمرض الشلل النصفي وقام بكتابه أبيات في مدح النبي صلى الله عليه وسلم يتضرع فيها لله بغرض أن يشفيه الله وفي يوم من الأيام نام ورأي الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام يرتدي البردة  ومسح بيده الشريفة على جبهته  والقى علية بوردته فشفي بعدها تماما لذلك أنشد قصيده البردة ومن بعد ذلك الوقت أصبحت هذه القصيدة من أهم قصائد مدح النبي صلى الله عليه وسلم.

لماذا اخترت تجسيد الإمام البوصيري في سن الأربعين تحديدًا من ضمن أعمالك النحتية؟

نحت الإمام البوصيري وهو في العقد الرابع من عمره لأن هذا العمر يكون فيه الجسد مكتمل، فمن بلغ تمام الأربعين فقد بلغ أشده أي أنه قوي واكتملت قوته الجسدية، كما أنه بلغ تمام العقل والفهم والحكمة والقوة الذهنية والفكرية والنفسية وإضفاء لمسة مثالية على التمثال.

ما المدة التي استغرقتها في نحت تمثال الإمام البوصيري؟

 أعطاني محافظ بني سويف مهله شهر فقط لكي أنحت هذا التمثال وكان الشهر وقت قليل جدًا للقيام بهذا التمثال ونتيجة لعملي المستمر استطعت أن أنهي التمثال في أقل من شهر وقمت بتركيب التمثال في ربع ساعه فقط وكانت قاعدة التمثال ارتفاعها ثلاثة أمتار والتمثاله ارتفاع 4.5 مترباجمالي التمثال والقاعدة 7.5 متراً.

كيف كان افتتاح محطة القطار بعد التجديد؟

مر علي نحت التمثال 7 سنوات إلا أنني مازلت أتذكر الموعد، حيث تم افتتاح ميدان المحطة بوجود تمثال الإمام البوصيري يوم 5/5/2019 وكان يوما جميلا، ووقت افتتاح ميدان المحطة حضرت أسرة الإمام البوصيري وقام أحدهم بإهدائي باقة من الورد ومن المواقف الطريفة أن أحد أحفاد الإمام البوصيري أشار إلى التمثال وقال أنه يشبه جده الإمام البوصيري بشكل كبير.

ما كان شعورك بعد الانتهاء من التمثال؟

كنت سعيد جدا فبعد نحت تمثال الإمام البوصيري أخذت الصحف والمجلات المصرية تتحدث عن الإمام بشكل أكبر والمجتمع السويفى بكل أطيافة وطبقاته تعرف من هو البوصيري معرفة تامة نشأته وتاريخة , وبعد فتره أيضا تلقيت مكالمه من امام مسجد الإمام البوصيري في محافظه الإسكندرية ليشكروني على التمثال وتوالى اشتهار التمثال اعلامياً سواء على قنوات فضائية أو في فيلم تسجيلي عن محافظة بني سويف.

بخلاف تمثال الإمام البوصيري هل يوجد تماثيل أخرى مهمة بمحافظة بني سويف ؟

يوجد تمثال العبور الذي نحته دكتور جمال السجيني بطول أفقي بلغ خمسة أمتار ونصف والذي يعبر عن عبور 1973، ويزيد عمره عن 50 عام حيث تم إنشاءه عام 1975، ويوجد تمثال أخر في مدينه إهناسيا وهو تمثال الملك رمسيس الثاني فوق العجلة الحربية الخاصة به.

برأيك، ما أهمية الهوية  للشعوب؟ وكيف يؤسر الفن في هويتها من محافظة لأخرى؟

الهوية شيء مهم جدا لأي شعب لأنها تعبر عن هذا الشعب وتقاليده وعاداته وتظهر الهوية في الملبس والمأكل والكلام واللهجة وطبيعة وتضاريس الأرض. ومصر هي البلد الوحيدة التي كلما تزور محافظه فيها تجد هويه مختلفة ومتنوعه لذلك عندما يأتي الأجانب إلى مصر ويروا الأثار وقت السياحة ينبهروا بكل عادات وتقاليد المصريين , وأي إرث نحتى بأي ميدان في المحافظة فهو تراثاً وهوية بصرية تعلن عن عمق الثقافة والتراث الذي يحمل معلم يميز ذاك البلد.

مكتبة الإسكندرية تستضيف المؤتمر السنوي للجمعية المصرية للمكتبات والمعلومات والأرشيف تحت شعار: « تراثنا.. هويتنا.. ومستقبلنا »


 كتب: محمد عبدالله

تحت شعار: “تراثنا.. هويتنا.. ومستقبلنا“، تنظم الجمعية المصرية للمكتبات والمعلومات والأرشيف المؤتمر السنوي لها بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية تحت عنوان: “مؤسسات المعلومات وحفظ التراث الوثائقي والشفاهي وإتاحته في ظل التحولات الرقمية“، وذلك خلال الفترة من ٢٤ إلى ٢٥ يونيو ٢٠٢٥ بمقر المكتبة بالإسكندرية.

يهدف المؤتمر هذا العام إلى فهم تأثير التحولات الرقمية على الحفاظ على التراث الثقافي الوثائقي والشفاهي، وإتاحة الوصول إليه، والتعريف بالمبادرات والمشروعات الراهنة لحفظ التراث بمؤسسات المعلومات محليًا وإقليميًا وعالميًا في ضوء التحولات الرقمية، والتعريف بالأدوات والمنهجيات الرقمية المبتكرة التي تعمل على تطوير ممارسات الحفاظ على التراث الوثائقي والشفاهي، والتشارك المعرفي ونقل الخبرات من خلال التعرف على أبرز التطبيقات وأفضل الممارسات وقصص النجاح، وتعزيز الشراكات وتمكين بناء شبكات تعاونية متعددة التخصصات والمؤسسات لضمان شمول إتاحة التراث الثقافي، ومناقشة الرؤى والسيناريوهات المستقبلية لدعم عملية صنع السياسات وتطوير الأطر القانونية لحفظ التراث الوثائقي والشفاهي.

تنقسم محاور المؤتمر إلى عشرة محاور؛ يناقش المحور الأول استراتيجيات الحفظ الرقمي والأرشفة للتراث الوثائقي والشفاهي في مؤسسات المعلومات، بينما يتناول المحور الثاني الحوكمة والسياسات والاعتبارات القانونية والأخلاقية لحفظ التراث وإتاحته، أما المحور الثالث فيتحدث عن: الابتكارات والتقنيات الناشئة في رقمنة التراث الوثائقي والشفاهي (تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، مخططات الميتاداتا، ومعايير التشغيل البيني، والبلوك تشين Blockchain، إلخ).

ويتطرق المحور الرابع إلى مناقشة: الأرشفة التشاركية والتعهيد الجماعي للتراث الوثائقي والشفاهي، في حين يهتم المحور الخامس بتناول: نشر وإتاحة التراث الوثائقي والشفاهي في البيئة الرقمية (المستودعات والمنصات الرقمية، الواقع الافتراضي والواقع المعزز، شبكات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات الهواتف الذكية، الخ)، أما المحور السادس فيتناول: برامج ومبادرات تعزيز الوعي الثقافي بالتراث، واستراتيجيات التسويق الرقمي له.

ويهتم المحور السابع بمناقشة: إدارة البيانات التراثية وتطبيقاتها (تحليلات البيانات الضخمة، النمذجة التنبؤية، تقنيات تصوير البيانات، والسرد الرقمي، إلخ)، بينما يتناول المحور الثامن: دور الاتحادات والجمعيات المهنية في دعم حفظ التراث الوثائقي والشفاهي، وبناء القدرات، ويركز المحور التاسع على: الشراكات بين القطاعين العام والخاص في حفظ التراث الوثائقي والشفاهي وإتاحته، وأخيرًا المحور العاشر، والذي يأتي تحت عنوان: إدارة الأزمات واستراتيجيات التعافي من الكوارث في المؤسسات التراثية.

لمتابعة المؤتمر وتقديم مستخلصات الأبحاث يجب زيارة موقع المؤتمرعلى الرابط التالي:

https://ela25.conferences.ekb.eg