الجمعة، 2 مايو 2025

« صفية القباني » نقيب الفنانين التشكيليين الأسبق: الفن القبطي موروث ثقافي غير عادي .. وتصاميم المطارات الحديثة وكذلك مترو الأنفاق مُستوحاه جميعها من مفردات الفن المصري

الجداريات والمتاحف التي أنشأها المصري القديم سجلت الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية

حوار: محمد عبد الله

تمتلك مصر تراثًا بصريًا غنيًا عبر العصور المختلفة  ويعد كل من الفن التشكيلي والتصوير مرآة للهوية الثقافية والحضارية لمصر، ولعب الفن التشكيلي دورا كبيرا في ظهور شخصية مصر ابتداء من الفنون الفرعونية، والقبطية، والإسلامية، ووصولًا إلى الفن المعاصر، ولهذا السبب قرر موقع موروث إجراء حوار خاص مع الدكتورة صفية القباني  أستاذ قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان وعميد الكلية الأسبق ونقيب الفنانين التشكيليين الأسبق.

في البداية تحدثت “القباني” عن الكلية قائلة: أنا أتحدث اليوم عن موضوع مهم جدًا من داخل قسم التصوير في كلية الفنون الجميلة عن الهوية والتراث المصري، والتي أنشأت في عام 1908، وقد أنشأها البرنس يوسف كمال كأول مدرسة أهلية لتعليم المصريين والأجانب الفنون وأوقف عليها الأطيان والأراضي لتعليم الطلاب، فوجب أن نقدم تحية شكر وتقدير للأمير يوسف كمال، والذي كان هدفه من إنشاء الكلية هو تعليم الفن.

وأضافت: كان أول طالب يدخل كلية الفنون الجميلة هو محمود مختار المثال العظيم الذي ارتبط نحته ارتباطًا شديدًا بالهوية المصرية ولقبوه بـ “سيد الفراعنة” لأن كل أعماله وكل التماثيل التي صممها كانت مستوحاه من الخطوط المستقيمة وتبسيط النحت، حيث أخذ القيم من المصري القديم ودمجها بأسلوبه الخاص فأصبح محمود مختار أول مثال له بصمة وله شخصية تؤكد على الهوية المصرية من خلال النحت، وكان قد التحق بالكلية في عام 1908، وتخرج منها بعد مضي ثلاث سنوات، عندها كانت مدة الدراسة في الكلية أربع أو خمس سنوات، وسافر إلى  فرنسا وأسس مشروعًا واشترك بمسابقات في فرنسا، وحصل على جوائز عدة، وله تمثال صغير لنهضة مصر الموجود أمام جامعة القاهرة، وهو عبارة عن أسد أو أبو الهول وسيدة مصرية، إذ يمثل أبو الهول نهضة مصر، والسيدة المصرية تأكيد على الهوية المصرية، وهذا التمثال يعد أول تمثال يُخصص له كتابًا كاملًا.

وأكملت: “كما أن لدينا أيضًا الفنان عبد الهادي الجزار وهذا فنان كبير مشهور بالهوية المصرية وتدعمها أعماله، حيث قام بأخذ “الزار” والشعوذة والرموز والطلاسم والموالد والسحر في لوحاته العالمية عن الهوية المصرية، كما أن لدينا أيضًا الفنان “محمود سعيد” الذي رسم بنات بحري واسكندرية والمراكب والملاءة اللف، وكلها تمثل رموزًا للهوية المصرية ودعمًا لها في أعمال الفنانين”.

ويمثل كل من محمود سعيد وعبد الهادي الجزار أعلامًا في الفن؛ وأسماء معروفة في المزادات الفنية العالمية، وقد أعدت لهما موسوعات خاصة ضمَّت ووثقت أعمالهما، وهناك أيضًا الفنان أحمد صبري وهو من الجيل الأول بكلية الفنون الجميلة، ومن أعماله الشهيرة لوحة “الراهبة المسيحية”، وهي لوحة موجودة في مقر الأمم المتحدة في بيت السفير في واشنطن، والحقيقة أن كل مكان داخل مصر هو مليء بالفن والفنانين ومن ذلك أعمال الفنان المصري القديم، والفن القبطي والفن الإسلامي.

الفن القطبي موروث ثقافي غير عادي

وعن الفن القبطي تحدثت قائلة: الفن القبطي موروث غير عادي، ترك لنا زخارف كثيرة على الكنائس وجميعها لها معاني، وهذه المعاني تُبرز لنا مدي اضطهاد الأقباط في عهد الرومان، وقد قاموا الفنانون خلال هذه الفترة بالذات برسم هذه النقوش والزخارف من أجل الحفاظ على ديانتهم بشكل سري، فكان الأقباط يعرفون بعضهم سرًا دون تصريح حتى لا يتعرضوا للاضطهاد. واليوم أصبحت هذه الأعمال موروثًا ثقافيًا وجزءًا من الهوية المصرية، وأصبحنا نستخدمها في الزخارف والنقوش على الذهب والفضة وفي الأواني.

بل إن الجداريات والمتاحف التي أنشأها المصري القديم هي بمثابة سجل للحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، فهو لم يترك شيء إلا وقام بتدوينه على جدران المعابد والجداريات، ومن ذلك الطعام والشراب والولادة والذبح وعبادة الإله والموت والحياة .. إلخ. وقد أصبحت هذه الأعمال جزءًا من حياتنا حتى يومنا هذا، والدليل على ذلك ما نراه اليوم من آثار ومعابد وحتى الأهرامات وغيرها من الأعمال المصرية القديمة بل إن تصاميم المطارات الحديثة في الأقصر وأسوان وشرم الشيخ مُستوحاه جميعها من مفردات الفن المصري، وكذلك مترو الأنفاق في محطة التحرير والمرسوم داخله صورة للعازفات الثلاث بخامة الموزاييك، وهي بالأساس مستوحاة من لوحة مصرية قديمة.

والسر في هذا التميز للأعمال المصرية القديمة هو أن للمصري القديم نسبًا مثالية لا يتعداها في النحت والرسومات، حيث اختار أجمل وضعية في الإنسان من وجهة نظره؛ فأخد العين الأمامية لأنها جميلة، وأخذ الصدر الأمامي لأنه جميل، وأخد الرجل الجانبية لأنها جميلة في الرسم والنحت .. إلخ، ولذلك فإنك عندما تنظر إلى أية رسمة فرعونية؛ ستشاهد جمال الفن والإبداع عند المصري القديم.

الفن الإسلامي

الفن الإسلامي فن يتحدث عن أمرين مهمين، وهما الزخارف الهندسية والنباتات الزخرفية، فعندما تدخل أي مسجد أو أي مكان يوجد به فن إسلامي ستشاهد الخطوط جميعها متشابكة، لا تستطيع معرفة من أين بدأت أو انتهت فهي تأكيد على أن “الله موجود ليس له بداية ولا نهاية”، وهذه فلسفة الفن الإسلامي، وسترى ذلك في الأطباق النجمية والزخارف النباتية.

الفسيفساء الرخامية

الفسيفساء هي أصلها مصري، ولها نوعين، الأول: الرخامية التي تُصنع منها النوافير والمحاريم وأرضيات المساجد القديمة، وهذه عبارة عن قطع رخام صغيرة من الألوان الطبيعية، أما الفسيفساء فيتكون أصلها من مزيج روماني يوناني، وهي أيضًا عبارة عن قطع من الأحجار الملونة، فهي تعد أقرب إلى الزجاج والأحجار، وهي تقاوم عوامل التعرية وتعيش مع الزمن.

كيف يتأثر الفنان المصري ببيئته؟

لقد تأثر الفنان المصري برموز بيئته؛ على سبيل المثال الفنان “حسين بيكار” وهو فنان وشاعر مصري كان له مانشيت خاص به ويحمل اسمه في جريدة الأخبار، اعتاد رسم المرأة المصرية بالحجاب والجلباب اللذين يشتهر بهما أهالي النوبة بالإضافة إلى استخدامه اللون الأبيض والمثلثات المستخدمة في زخرفة منازل النوبيين، ويرجع ذلك لإقامته لفترة طويلة في النوبة.

كما تأثر رسام الكاريكاتير المصري “صلاح جاهين” ببيئته، وقد جسد العرض المسرحي الشهير “الليلة الكبيرة” الموالد المصرية كجزء من هويتنا، ومن ذلك وجود الراقصة، والألعاب المصرية المتنوعة والألعاب القتالية التي يمارسها الشباب داخل هذه الموالد، وهي مظاهر قام بتوثيقها الأستاذ الدكتور ناجي شاكر -رحمه الله- أستاذ العرائس والسيموغرافيا بكلية الفنون الجميلة ومعه صلاح السقا وسيد مكاوي.

وهي أعمال تسعى الدولة لتوظيفها من أجل ترسيخ الهوية المصرية داخل النشء؛ على سبيل المثال يقوم مسرح العرائس وصندوق التنمية الثقافية بتنظيم العرض المسرحي الليلة الكبيرة في المدارس وعلى المسارح أمام الأطفال والغريب أنه يحظى برواج كبير بين الأطفال رغم اختلاف الأجيال كونه توثيق حقيقي للهوية المصرية.

إنشاء متحف بداخل الكلية للحفاظ على أعمال الفنانين  

“لقد أسس هذا المتحف الجيل الأول من أساتذة الكلية، إذ قام دكتور يحيي عبده بالاشتراك مع الدكتور محمد مكاوي والدكتور السيد قنديل -رحمهم الله- وهم عمداء سابقين للكلية، بتحويل فيلا “منى عبود” إلى متحف، واعتاد أستاذنا الدكتور صلاح عبد الكريم، رحمه الله، شراء لوحات الفنانين ليضعها في المتحف، وعندما توليتُ أنا عمادة الكلية؛ قمت بإعادة استخراج وترميم الأعمال المخزنة داخله، وعمل سيناريو عرض لمتحف كليتنا، وبالطبع فإن وجود هذا المتحف يمثل قيمة كبيرة للمكان ولأساتذتنا.

وماذا عن توليكِ منصب المستشار الفني لرئيس الجامعة الروسية؟

تمثل دوري كمستشار للفنون في المساعدة في كافة الأنشطة المتعلقة بالفنون المختلفة ومن ذلك تنظيم مسابقات فنية لتشجيع الشباب، وتشجيع المدارس على تنظم زيارات إلى الكلية والاشتراك في ورش العمل والمعارض، وهو ما يساعد النشء على تطوير مواهبهم الفنية، بالإضافة إلى دوري في إقامة شراكات مع كليات الفنون الجميلة الأخرى والفنون التطبيقية، وقد لاقت كافة الأنشطة بالمجمل رواجًا كبيرًا نابعًا من كون كلية الفنون الجميلة من الكليات التي يرغب الكثير من الشباب في الالتحاق بها.

ما النصائح التي تقدمينها للشباب من أجل إعادة الاهتمام بالتراث والفن والثقافة المصرية؟

الشباب بحاجة ماسة إلى القراءة والثقافة، ومن ذلك متابعة العروض والأنشطة والندوات التي تنظمها وزارة الثقافة، كما أنصحهم بعدم الانسياق وراء الغرب والتقليد الأعمى له، صحيح أن الغرب عنده مميزات فيما يتعلق بالمستوى العلمي، لكن ذلك لا ينفي أن الارتباط بالهوية هو أكثر ما يميز الإنسان، والخروج من عباءة الهوية الأصلية مستحيل؛ فكلما حاولت الوصول للعالمية التصقت بالمحلية، أما الغرب فهو ليس بحاجة إلى أشخاص لتقليدهم، هم فقط يمثلون هوياتهم وبيئتهم، ونحن كذلك تمثل ملابسنا وصنعتنا ويجسد طعامنا وشرابنا هويتنا الحقيقية.

ماذا عن دوركِ في إنقاذ قرية القرنة الخاصة التي أنشأها المعماري حسن فتحي؟

المعماري العظيم حسن فتحي معماري له نظرية في العمارة تؤكد على الهوية والبيئة والاستدامة، وقد كان أستاذً في قسم العمارة بكلية الفنون الجميلة وقام بإنشاء قرية تسمي “قرية القرنة” في محافظة الأقصر، والتي أكد فيها على الهوية المصرية، وكان له مقولة شهيرة: “ابني باللي تحت رجليك” في إشارة منه إلى البناء بالطين لتقليل أثر الحرارة والشمس، ومن هذا المنطلق قام ببناء قرية كاملة من الطين في الأقصر، وكان له أمنية خاصة وهي أن تكون هناك مدرسة لتعليم الأهالي طريقة البناء التي تناسب طبيعة المكان، وقد نظمتُ حملة اسمها: “كلنا حسن فتحي ونحن أَولى بحسن فتحي” هدفها ترميم قريته التي أنشأها، وقد استجاب لنا آنذاك صندوق التنمية الثقافية واليونيسكو ورمموا القرية، ولا زالت موجودة حتى اللحظة ومتاحة للزيارة. وقد سار على نهجه “رمسيس ويسا واصف” صديقه الذي أنشأ قرية “الحرانية” وهي قرية كبيرة متخصصة في صناعة السجاد اليدوي.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق