الخميس، 1 مايو 2025

الأكلات المصرية بين عمق التاريخ ونكهة الحاضر


 

تقرير: موسي محمد

 منذ فجر التاريخ، عُرفت مصر بأكلاتها التي تحمل طابعًا خاصًا يمزج بين البساطة والغنى، وبين الأصالة والتجدد. فلم تكن الأكلات المصرية يومًا مجرد وجبات تُشبع الجوع، بل كانت مرآةً تعكس ملامح المجتمع وثقافته ومعتقداته. فمن موائد الفراعنة التي امتلأت بخبز الشعير والبصل والعسل، إلى أطباق اليوم كالكشري والفول والطعمية، ظل المطبخ المصري شاهدًا حيًا على تحولات الزمان، محافظًا على مكانته كجزء أصيل من التراث الذي توارثته الأجيال.

وما يُميز هذا الإرث أن الأطعمة المصرية أصبحت من أدوات “القوة الناعمة” التي تُسهم في التأثير على الشعوب وتعزيز الجذب السياحي. وفي هذا التقرير، نسلّط الضوء على أبرز الأطعمة الشائعة في مصر القديمة والحديثة.

المطبخ المصري القديم.. إرث الفراعنة

تميّز المطبخ المصري القديم بتنوّعه وثرائه، حيث شمل مختلف أنواع الخضروات والفاكهة، إلى جانب العسل والتمر والزبيب. ولم تقتصر المائدة على سدّ الجوع، بل اتخذت بعض الأطعمة طابعًا علاجيًا، ما يدل على وعي المصريين القدماء بأهمية التغذية الصحية وفوائدها على الصحة العامة.

أبرز الأطعمة في مصر القديمة التي لا تزل قائمة حتى اليوم:

            •الخبز: كان عنصرًا أساسيًا في النظام الغذائي المصري، وعُرف باسم “العيش”، وكان يُصنع من حبوب الغلال ويُعتبر الغذاء الرئيسي للمصري القديم.

            •الفسيخ: الأسماك كانت حاضرة بقوة على موائد المصريين، خاصة أسماك النيل. ويُعد الفسيخ المصنوع من البوري والرنجة من أشهر الأطعمة التي ما زالت تُستهلك بكثافة، خاصة في موسم الربيع.

            •البصارة: من الأكلات التي تعود أصولها إلى العصر الفرعوني، وهي مزيج من البقوليات، وتُعتبر مثالًا على الأطعمة النباتية المغذية التي اعتمد عليها المصري القديم.

            • الجبنة القريش: جبن طازج ذو قوام ناعم، يُصنع من حليب البقر أو الجاموس، ويتم تحضيره عبر تخمير الحليب للحصول على اللبن الرائب، ثم تسخينه لفصل الخثارة عن الشرش.

            • المِش: من أقدم أنواع الجبن الذي عرفها المصريون القدماء، ويُعتبر من الأطعمة التراثية التي تعود إلى أكثر من 3200 عام، حيث أظهرت الاكتشافات في سقارة أواني فخارية تحتوي على بقايا جبن، يُعتقد أنها كانت تُستخدم كقرابين في طقوس الدفن، ما يعكس الأهمية الدينية والغذائية لهذا النوع من الجبن.

المطبخ المصري الحديث.. إرث الحاضر

طبق الكشري: يُعد من أكثر الأطباق شعبية في مصر، وهو غني بالكربوهيدرات ويحتوي على المكرونة، الأرز، العدس، وتُضاف إليه صلصة الطماطم والبصل المقلي، وقد يضيف الطاهي مكونات أخرى حسب الرغبة.

الملوخية: من الأطباق التقليدية الشهيرة، وتُطهى أوراق الملوخية مع مرقة اللحم أو المأكولات البحرية، ويُضاف إليها الثوم والكزبرة. وغالبًا ما تُقدم مع الأرز الأبيض.

الشكشوكة: طبق إفطار شائع، يتكون من البيض المطبوخ مع صلصة الطماطم، الفلفل، والثوم. ويُفضل تناوله في الإسكندرية، خاصة في المقاهي المطلة على البحر.

الفتة: من الأطباق المفضلة في النوبة، وتُقدم في المناسبات والأعياد. تتكون من الأرز، اللحم، الخبز المقلي، وتُضاف إليها صلصة الطماطم ومرقة اللحم.

الكبدة: تُقدم مشوية أو مقلية، سواء من الدجاج أو اللحم، وتُعد من الأطباق السريعة المنتشرة في الشوارع المصرية، خاصة الكبدة الإسكندراني المعروفة بتوابلها الخاصة وتُقدم غالبًا مع الطحينة والمخللات داخل الخبز البلدي.

المحشي: من الأكلات المفضلة لدى مختلف طبقات الشعب المصري. ويتكوّن من الأرز المتبل أو اللحم المفروم، وتُلف الخضروات المختلفة كالكرنب، ورق العنب، الكوسا، الطماطم، الباذنجان، والفلفل وتُطهى في مرقة الدجاج أو اللحم، مع إضافة عصير الليمون.

الشاي: المشروب الأكثر انتشارًا في مصر، ويُقدّم في جميع الأماكن تقريبًا. هناك نوعان شائعان: الشاي الكُشري (الخفيف) ويُفضل في الشمال وغالبًا ما يُشرب بالنعناع، والشاي الصعيدي (الثقيل) في الجنوب. كما تنتشر الأنواع العشبية مثل الكركديه، النعناع، والينسون.

بهذا المشهد المتكامل من المطبخ المصري، يتّضح كيف لعب الطعام دورًا محوريًا في التعبير عن هوية المصريين، واحتفظ بمكانته كجزء من الثقافة والذاكرة الجماعية، بل وأصبح جسرًا يربط بين الماضي والحاضر، ويُساهم في تعزيز صورة مصر عالميًا.



الخبير الأثري الدكتور خالد سعد: مصر بها الكثير من المقاصد السياحية خارج الخدمة بسبب الإهمال بالبنية التحتية والخدمات


تقرير:فارس عزالدين، أحمد طه

‏ قال الخبير الأثري الدكتور خالد سعد إن مصر لا تملك سوى الاهتمام بقطاع السياحة لأنه يعتبر أهم منبع لتطوير الاقتصاد المصري مشيرًا إلى أن محافظة الفيوم تستحق أن تكون على رأس المحافظات السياحية وأيضا محافظات المنيا وسوهاج والأقصر والعديد من الأماكن الأخرى موضحًا وجود الكثير من المقاصد السياحية بداخل مصر خارج الخدمة بسبب الإهمال بالبنية التحتية والخدمات.

وأضاف «سعد» في تصريحاته الخاصة لموقع «موروث»، أن تطوير قطاع السياحة لا بد أن يكون في اكثر من اتجاه، مثل الاهتمام بالمواقع الأثرية الجديدة وتطوير مواقع أخرى وإدخالها على خريطة السياحة المصرية، وأيضا التوسع في القطاع الفندقي خاصه وأن مصر تخطط أن يزورها 7 مليون سائح في عام 2030، ونحن لا نملك الطاقة لاستيعاب هذا الكم من السياح، وهنا تكمن المشكلة.

وتابع سعد “حديثة” قائلًا: يجب التوسع في قطاع الفنادق البيئية خاصة وأن لها رواد على مستوى العالم، فنحن لدينا في مصر فندق في سيوة يعتبر من إحدى أهم 10 فنادق في العالم في هذا الاتجاه، كما علينا أيضا التوسع في القرى السياحية وتوفير مستويات مختلفة من الإقامة الفندقية للزائر والتوسع في بناء الموتيلات (Motels ) وهي الفنادق الصغيرة المخصصة لراحة السائح في طريق السفر، كما يجب أيضا توعية جميع المحيطين بالسائح بحسن معاملته مثل أصحاب “البازارات” والسائقين والعمال. إضافة إلي ذلك تطوير البنية التحتية للطرق والخدمات التي تقع بالقرب من المواقع السياحية مثل منطقه صان الحجر وبوتو ومنطقه ١٠٠ رهينه ومنطقه البدرشين ومنطقه دهشور والفيوم،

وأشار الخبير الأثري إلى ارتفاع سعر تذكرة الطيران الخاصة بمصر مقترحًا توفير بدائل أرخص من قبل وزارة الطيران المدني لتشجيع السياح على زيارة مصر.

ولفت «سعد» إلى ضرورة النظر إلى السياحة على أنها الماكينة التي تجلب لنا الدولار مؤكدا على ضرورة التعاون بين مؤسسات الدولة والتوسع في أنماط السياحة الأخرى والتشجيع على وجود شركات متخصصة فيها مثل السياحة الرياضية والمائية وسياحة التزلج على الرمال وسياحة الغوص مشيرًا إلى أن  مصر لديها 21 موقع اثري فلكي مثل الموجود في أبي سمبل وقصر هارون لذا يجب توفير برنامج للسياحة الفلكية أيضًا، فالعالم أجمع ينتظر الذكري السنوية لتعامد الشمس على وجه رمسيس الثاني، مشيرًا إلى أن مصر إن اهتمت بجميع هذه النواحي في آن واحد ستصبح في مقدمة الأمم في مجال السياحة ومن ثم سنجد هبوط كبير في سعر الدولار في مصر.

وعن دور شركات السياحة يقول «سعد» يجب على شركات السياحة وضع المناطق غير المؤهلة على الخريطة السياحية نصب أعينها، فاذا نظرنا إلي بورصة السياحة التي عقدت لأخر مرة في برلين، سنجد أن شركات السياحة المصرية تقدم برامج سياحية متشابهة ولا يوجد بها اختلاف، وهناك شركات أخرى تروج للسياحة الشاطئية مثل شرم الشيخ والغردقة لكن من المفترض أن تتنوع هذه الشركات في برامجها وفي إدخال أنماط جديدة وأماكن جديدة في برامجها السياحية وللأسف الشديد لا يوجد تخصصات في شركات السياحة وجميع الشركات تعمل في جميع الأنماط لأن هدفها في المقام الأول الربح، وعلى الدولة التخفيف من الإجراءات التي تتخذها مع الشركات السياحية وتسهيل عملها ومساعدتها في سرعة استخراج التصاريح الأمنية لأن هذا الأمر مربك للعديد من الشركات السياحية لأن السائح يأتي من أجل الانبساط فقط فإذا تم مساعدته  في سرعة اتخاذ الإجراءات فإنها أعداد الأفواج السياحية ستزيد بشكل كبير جدا.

‏ويرى  «سعد» ضرورة إشراك المجتمع المدني في إدارة المواقع الأثرية مثلما يحدث في جزيرة رودس فالدولة لا تدير المواقع الأثرية هناك بها بل هي التي تشرف على إدارتها فقط ومن يدير هذه المواقع الأثرية هم مجلس إدارة المجتمع المدني، مشيرًا إلى ضرورة تأهيل أعضاء المجتمع المدني للإحساس بدورهم وأن هذا فيه منفعة للبلد ولهم ومثلهم عمال الأحصنة في منطقة الأهرامات الذين نجد منهم من يتحدث اللغات الأجنبية المختلفة.

بناء حضارة مصرية معاصرة

فارس عز الدين

قبل آلاف السنين، وقبل أن يسطر التاريخ أولى كلماته، استطاع المصري القديم التغلب على كافة الصعاب المحيطة به، بدءًا من ظروف بيئية بدائية قاحلة وصولًا إلى خوض معارك من أجل البقاء سواءً مع شعوب أخرى أو حتى مع الحيوانات المفترسة، وذلك في سبيل بناء حضارة مصرية خالدة كانت المهد لجميع حضارات العالم، ومن هنا دعونا ننتقل عبر الزمن إلى وقتنا الحاضر؛ لنرى كيف تستمر هذه الجينات الفرعونية في التوارث ومد جذورها إلى المصري المعاصر.

إذ نلاحظ أن نفس الشيء الذي قام به أجدادنا يتكرر مرةً أخرى علي يد المصري المعاصر، والذي استطاع التغلب على كافة الأزمات الضاربة بمصرنا الحبيبة في سبيل الحفاظ على أمانة الأجداد والنهوض بالمحروسة والقضاء على كل المتربصين بها واستكمال الوصية في وضع مصر بالمقام الصحيح الذي يليق بأرض الكنانة، لتكون في صدارة شعوب الأرض كما عهدها العالم منذ فجر التاريخ، فبعد عصر الاضمحلال الذي ضرب مصر قبل أربعة عشر عامًا من اليوم، والذي شهدت مصر خلاله ثلاث سنوات طاحنة من الأزمات والصراعات والتدهور السياسي والاقتصادي والأمني -وهي ظروف كانت كفيلة بأن تُضعف شتى مجالات الحياة الأخرى ووضعت مصر على حافة الهاوية- نهض المصري المعاصر بقيادته الحكيمة وحرصه الشديد على انتشال المحروسة من على حافة السقوط وتصحيح مسارها، محاولًا وضعها مرةً أخرى في مكانتها الطبيعية التي يعرفها الجميع.

فكما عودنا التاريخ؛ بعد كل عصر اضمحلال لابد وأن يأتي عصر النهضة، عصر القوة والبناء، عصر النهوض من جديد، ليمنحنا القدر مصريًا معاصرًا استمد جينات الأجداد في حب مصر والدفاع عنها ضد كل الحيوانات المفترسة في زمننا المعاصر، والتي كانت تتجهز لإسقاطها إلى الهاوية دون رجعة، وليقضي برُمحه على كل مصادر التهديد، بل إنه ورث الجينات الفرعونية ذاتها في النهوض والبناء والتشييد في محاولة منه لبناء حضارة معاصرة تعيد أمجاد الأجداد.

فكانت البداية بوضع المصري المعاصر لخطة نهضة شاملة تشمل كل أركان الدولة وعلى جميع الأصعدة وكافة أنحاء المحروسة، نهضة تقوم على تطوير البنية التحتية للبلاد والعمل على بناء وتشييد مدن جديدة في كافة ربوع مصر من مدن الجيل الرابع، فجاءت الانطلاقة من خلال إنشاء عاصمة جديدة مستقبلية لجمهورية مصر العربية تكون مركزًا للحكم والإدارة ولجميع مؤسسات الدولة، وفي هذا الصدد؛ دعونا نستعرض بعض المعلومات الهامة حول العاصمة الإدارية الجديدة:

تقع العاصمة الإدارية شرق مدينة القاهرة، وتبلغ مساحتها 170 ألف فدان، وتستهدف جذب حوالي سبعة ملايين نسمة، ويتسم تصميم العاصمة الإدارية بالمرونة والحيوية ومواكبة العصر، وبمُلاءمته للهوية الوطنية المصرية، كما يعكس التصميم صورةً حضارية لمستقبل مصر الذي يتطلع إليه شعبها، ويتم العمل على تشغيل جميع المباني الإدارية في العاصمة الإدارية الجديدة بالطاقة الشمسية، بما يسهم في رواج سوق إنشاء المحطات الشمسية بشكل أكبر، ويُزيد فرص العمل في هذا المجال، ويخفض تكلفة معدات الطاقة الشمسية.

كما يتم تنفيذ الحي الحكومي داخل العاصمة الإدارية بما يتناسب مع الاحتياجات الفعلية للوزارات ومعدلات توافد المواطنين إليها، فضلًا عن تحقيق أفضل استغلال لمساحات الأراضي بالعاصمة الجديدة، والعمل على خفض تكلفة الإنشاء إلى أقصى حد ممكن مع الحفاظ على أعلى معايير الجودة، ويتضمن الحي الحكومي 18 مبنى وزاري ومبنى للبرلمان ومبنى لمؤسسة الرئاسة ومبنى لمجلس الوزراء، والطراز المعماري للحي مستوحى من الحضارة المصرية بروافدها الفرعونية والإسلامية المتنوعة، وتصل إجمالي مسطحات المباني إلى مليون متر مربع.

ولم تتوقف جهود النهضة لدى المصري المعاصر عند هذا الحد؛ بل شملت خطة البناء تشييد مدن ذكية جديدة جميعها على طراز الجيل الرابع في شتى بقاع المحروسة، وقد بلغ عددها 14 مدينة جاري إنشاؤها في مصر، وتستهدف تلك المدن استيعاب 14 مليون نسمة وتوفير حوالي 6 مليون فرصة عمل، بما يمثل 50% من إجمالي التجمعات العمرانية التي تم تنفيذها خلال الاربعين عامًا الماضية، والهدف من إنشاء هذه المدن هو خلق مراكز حضارية جديدة تحقق الاستقرار الاجتماعي والرخاء الاقتصادي، بالإضافة إلى توفير مبانٍ متكاملة الخدمات، وإقامة مناطق جذب مُستحدَثة للمواطنين خارج نطاق المدن والقرى القائمة، بجانب العمل على تقليل التكدس حول وادي النيل ومد محاور العمران إلى الصحراء، وتكوين مراكز تنموية تحفز التنمية على مستوي مصر، وتطبيق معايير التنمية المستدامة في تدوير المخلفات وإقامة مساحات خضراء مفتوحة، وتعتمد تلك المدن بشكل كبير في توليد الكهرباء على الطاقة المتجددة، كما تعمل على تعظيم تنافسية مصر لجذب الاستثمارات وزيادة معدل النمو الاقتصادي، وتوفير الخدمات التنقية المتكاملة للمواطنين. ومن أبرز تلك المدن: العاصمة الإدارية الجديدة، ومدينة العلمين الجديدة، ومدينة المنصورة الجديدة، ومدينة أسيوط الجديدة، ومدينة المنيا الجديدة، ومدينة دمياط الجديدة.

كما شمل عصر النهضة، بجانب هذه الإنشاءات، طفرةً كبيرة في التنمية الاقتصادية للبلاد، سواءً في مجال الزراعة أو الصناعة أو الخدمات المجتمعية المقدمة للمواطن؛ فد شهد مجال الزراعة طفرةً كبيرة عبر استصلاح أربعة مليون فدان، وعلى مستوى الصناعة؛ تم إنشاء 22 مدينة صناعية جديدة، و17 مجمعًا صناعيًا بـ15 محافظة على مستوى الجمهورية، وإجمالي وحدات صناعية يبلغ عددها 5 آلاف و46 وحدة توفر نحو 48 ألف فرصة عمل مباشرة، بالإضافة إلى إنشاء أربع مدن صناعية جديدة شملت مدينة الجلود “بالروبيكي” ومدينة الأثاث الجديدة بدمياط ومدينة الرخام بالجلالة ومدينة الدواء بمنطقة الخانكة، بالإضافة إلى افتتاح المرحلة الأولى من مجمع صناعات الغزل والنسيج بمنطقة “الروبيكى” ومشروع “سايلو فودز” للصناعات الغذائية بمدينة السادات، كما تم إطلاق أول خريطة متكاملة للاستثمار الصناعي في مصر، وتشمل 27 محافظة، بالإضافة إلى إطلاق البرنامج القومي لتعميق التصنيع المحلي، والذي يستهدف الارتقاء بتنافسية الصناعة المصرية وإحلال المنتجات الوطنية محل المستوردة وإيجاد قاعدة صناعية من الموردين المحليين.

هذا كله بجانب النقلة الكبيرة التي تشهدها مصر الآن في النقل والمواصلات، وإعداد مشروع قومي كبير للطرق يشمل إنشاء 7 آلاف كيو متر طرق جديدة على مستوى الجمهورية، منها ألفين و600 كيلومتر في الصعيد فقط، وتطوير ورفع كفاءة 10 آلاف كيلومتر طرق رئيسية منها 4 آلاف كيلومتر في الصعيد، والعديد العديد من المشروعات والخطط القومية الشاملة التي وضعها المصري في خططه لبناء حضارة مصرية معاصرة تضاهي حضارتنا الفرعونية العظيمة الفريدة من نوعها التي لا زالت تدهش العالم أجمع منذ فجر التاريخ وحتى هذه اللحظة بتصميمها الهندسي وآثارها ومعابدها الكثيرة وروعتها الخالدة حتى أنها أبهرت الجميع بكيفية بناء مثل هذه الحضارة العظيمة قبل آلاف السنين بأدوات ومعدات قد تكون بدائية لأقصي درجة، فهذه هي مصر العظيمة التي جاءت ثم جاء التاريخ بعدها، والتي برغم كل العوائق والتحديات وبرغم كثرة الأعداء والمتربصين، ستظل دائمًا، بأبنائها وشعبها المتوارث للجينات والمترابط عبر الأجيال، قادرة على التقدم والنهوض والوصول إلى مكانتها المرموقة التي يعرفها العالم أجمع.. هي مصر التي كانت وستظل “أم الدنيا”. 

رحلة ( الأسطى محمد ) مدرس الماث لإنقاذ تراث عائلته في مهنة النجارة

 


فيتشر: فارس عز الدين

عكس الكثيرين ممن يمتهنون مهنًا مختلفة عن مهن آبائهم، هناك من يكافح للحفاظ على تراث مهنة والده، ففي نهاية إحدى الأزقة المتفرعة من الحواري الضيقة بشارع المعز لدين الله الفاطمي، تجد “الأسطى محمد” مدرس الرياضيات في الصباح، والنجار بورشة الموبيليا التي ورثها عن والده في المساء.

يخصص الأستاذ محمد عنتر مدرس الرياضيات في الصباح وقتًا لمدرسته، وفي المساء يترك نفسه لإدارة ورشة الموبيليا التي ورثها عن والده؛ ليثبت لنا أنه “صنايعي” مصري أصيل، يفتخر بصنعة والده، ويبلغ قصارى جهده للمحافظة على تراث وتاريخ هذه المهنة.

يجلس الأسطى محمد ومعه ثلاثة رجال يساعدونه في ورشته “ورشة موبيليا الحاج عنتر النجار وأخيه محمد” ورغم أن الورشة قديمة وجدرانها متهالكة إلا أن محمد وزملائه يجعلونها مشتعلة بالعمل، حيث تمتلئ الورشة بأصوات ألواح الخشب وكافة المعدات القديمة والحديثة معًا.

يقول الأسطى محمد: “أنا محمد عنتر سيد مدرس رياضيات، نجار وارث الورشة دي عن والدي الحاج عنتر الله يرحمه، الورشة مفتوحة من سنة 1968 وقتها كان عندي 8 سنوات”.  

ويستكمل الأسطى محمد حديثه: “وُلد والدي عام 1935، وبدأ في مهنة النجارة عام 1948، حينها كان عمره ثلاثة عشر عامًا، عمل والدي وهو في هذا السن مع الخواجات واليونانيين والأرمن، وتعلم منهم الكثير في مهنة النجارة، ويُعد الصبر أهم شيء تعلمه منهم”.

بعيون يملؤها الحنين، يقول الأسطى محمد: “والدي الله يرحمه كان شغال مع الناس اللي بتشتغل في البايوهات، وشغل المكونات النحاس بتاعتها -تنتمي البايوهات إلى طراز الأثاث الكلاسيكي وتشبة الكومدينو وكان يزين بها قصور الملوك والأمراء- وبعدها اشتغل عند الأسطى “حسن الشركشي” اللي كان ماسك تصميم الموبيليات الملكية وموبيليا الفنانين، وصمَم وقتها موبيليا القصور، زي قصر عابدين، وقصر طاهر، وقصر القبة، وأشتغل والدي معاه، وتعلم منه كتير، وتشاركوا العمل في شقة الفنانة مريم منيب والفنان أنور وجدي وفيلا صفاء المهندس، ومن هنا والدي تعلم منه جودة الصنعة، وأنا تعلمت منه أنا وعمي وابن عمي، وتعلمت منه إن الحياة تعاون، وأنا بعامل كل اللي شغالين معايا في الورشة على أنهم إخواتي وكلنا واحد”.

يحكي الأسطى محمد قصة ورشته القديمة قائلًا: “الورشة دي ليها حكاية ومتفتحتش كده في يوم وليلة، الورشة دي موجودة ومحافظين عليها وعلى تراثها القديم، وقصتها هي إن والدي وأخوه كانوا شغالين في إحدى الورش المشهورة في أرض شريف، وهي من أهم الأماكن اللي بتصنع موبيليا في مصر، الكلام ده كان قبل نكسة 1967م، وبعد النكسة كانوا بيشتغلوا في الورشة يوم كامل، ولكن الأجر يبقى يوم إلا ‫14 يعني مثلًا لو والدي بيآخد 80 قرش كان قبضه في الفترة دي 60 قرش، وفي يوم من الأيام النور قطع وعمي كان هو “الكوماند” بتاع الورشة، يعني هو اللي كان بيمشي الشغل، وهو اللي كان بيتصرف في المواقف الصعبة، ففي يوم النور قطع وعمي خد أوامر أنه يوقف الشغل اليوم ده، وجه وقت القبض أبويا لقي القبض نص يوم مش يوم إلا ‫14 زي ما اتفقوا، ومن ساعتها والدي حلف أنه مش هينزل الشغل تاني، فشال البنك بتاعه ومشي من الشغل، ونقله في ورشة صديق ترك له الورشة على سبيل الهدية، ومن بعدها تطور في الشغل واتعامل مع معارض كثيرة واتشهر.

ويضيف الأسطى محمد: “البنك ده يا جماعة متصنع عام 1945 ومعايا مبايعة معمولة ليه سنة 1952 بخمسة جنيه، وحاليًا لا يقدر بثمن؛ لأنه معمول من أجود أنواع الخشب، وصعب الحصول عليها الآن.”

ويعتبر الأسطى محمد نفسه من الجيل الثاني في مهنة النجارة، حيث يرى أن والده وعمه هما الجيل الأول، ورغم أنه يعمل مدرس رياضيات أو ماث (Math) في إحدى مدراس اللغات إلا أنه لا يستطيع أن يستغنى عن المهنة التي ورثها عن والده؛ لأنه يراه الإرث الحقيقي الذي تركه له والده قبل الوفاة.

وأكمل الأسطى محمد كلامه: “حقيقي أنا بعتز بورشة والدي وبفتخر إني ورثت مهنته من بعده؛ لأني بحبها ومتعلق بيها، فرغم إني مدرس رياضيات وليس لي حاجة ملحة للاستمرار في مهنة والدي، إلا إن شغفي وحبي للمهنة وإصراري على استكمال المسيرة جعلني أطور من المهنة، مضيفًا: “إحنا بدأنا نطور في التصنيع، زمان كنا بنشتغل بالأبلكاش والخشب الكبس، ودلوقتي بقى بنستخدمه قليل جدًا؛ لإن محدش بقى يستخدمه؛ لأنه بيضيع وقت، وكمان إحنا غيرنا نوع العدة الـلي بنستخدمها وطورناها، وده سعيًا للحفاظ عليها في ظل التقدم التكنولوجي الحديث”.

 وعن عدة والده يقول الأسطى محمد مشيرًا إليها بأصابعه: “دي عدة والدي الله يرحمه، وفي أجزاء منها مازلنا نستخدمها حتى الآن، ومنقدرش نفرط فيها أبدًا زي (الشاكوش) وهو ألماني الصنع، و(الفارة) اللي أنا كنت بتعلم بيها وأنا طفل، و(الشنيور) القديم اليدوي اللي بنخرم بيه، و(الجايون) اللي بيستخدم في أنه بيعمل المقاسات اللي بنشتغل عليها، و(الرابوع) المعمول من خشب السنديان… إلخ.


وعن التطور الذي حدث في الأدوات و”عدة” النجارة يقول الأسطى محمد: “الخامات كلها دلوقتي بقت متطورة، زي الزان الأحمر، والخشب الكونتر اللي يُعتبر من أعلى الخامات، وبيتم تقطيعه على مقطع، والصينية بتطلع الزاوية حسب الرغبة، ومن ضمن التطوير إن مفيش حد دلوقتي بقا يدق مسمار بشكل يدوي وبقى الشغل “بالكومبريسور”.






محمد الحسانين المبيض،رئيس مجلس إدارة جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية: “الجمعية تهتم بمراجعة وتعديل المعلومات التاريخية الخاطئة والمغلوطة التي تمس سمعة مصر”


 

حوار: محمد عبدالله

في ظل التحديات المتزايدة التي تواجهها السياحة الثقافية في مصر، من ضغوط التطوير العمراني إلى تراجع الوعي بأهمية التراث، تبرز جمعيات المجتمع المدني كأحد الخطوط الدفاعية للحفاظ على الهوية الثقافية ومقومات السياحة المستدامة. وفي هذا السياق، كان لنا هذا الحوار مع محمد الحسانين المبيض،رئيس مجلس إدارة جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية، الذي يكشف فيه عن جهود الجمعية لحماية المواقع التراثية، ورؤيتها لتعزيز السياحة الثقافية كأداة للتنمية، بالإضافة إلى موقفه من المبادرات الحكومية والمجتمعية في هذا المجال.

في البداية عرفنا كيف جاءت لك فكرة إنشاء جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية ومتى تم إنشاءها وما أهدافها؟

أثناء الاحتفال بيوم السياحة العالمي بمدينة الأقصر ٢٠١٦، انطلقت فكرة إنشاء كيان غير هادف للربح يهدف للحفاظ علي مقدرات السياحة الثقافية المصرية، ويساهم في مساعدة جميع العاملين في هذا النشاط الهام وكذلك الأنشطة والصناعات المرتبطة بالسياحة الثقافية. واجتمع عدد كبير من الزملاء المخلصين علي الفكرة وبذلوا فيها جهدًا كبيرًا  لتطويرها حتى أصبح كيانا رسميا معلنا  في ٢٠ مايو ٢٠١٧ تحت مسمى “جمعية الحفاظ علي السياحة الثقافية”، لمعاونة الجهات المختصة كالاتحاد المصري للغرف السياحية والغرف التابعة له، وكذلك وزارة السياحة والآثار في إلقاء الضوء علي بعض المعوقات التي تواجه منظومة السياحة الثقافية واقتراح الحلول المنطقية فنياً والقابلة للتنفيذ حكوميًا وذلك بعد الدراسة المتأنية من الأعضاء المؤسسين لما لهم من خبرات متنوعة في هذا القطاع.

في ظل محدودية الموارد… ما التحديات التي واجهتكم في بداية إنشاء الجمعية؟

 لم تكن لدينا الإمكانيات المادية الهائلة ولكن سخرنا مجهوداتنا الشخصية لدراسة أفكار جديدة تساهم في تنمية المجتمع المدني المرتبط بالمناطق السياحية ذات الطابع الثقافي، والتي تصب في النهاية في مصلحة نشاط السياحة الثقافية الذي يمس سمعة وثقافة المجتمع المصري كما نحب أن نراه

ما اختصاصات جمعية الحفاظ علي السياحة الثقافية ؟

تتنوع اختصاصات الجمعية ما بين التنمية الاقتصادية والعمل علي تحسين مناخ الاستثمار في السياحة الثقافية، والمساهمة في تطوير وتنمية المناطق الأثرية والسياحية، وتنمية الخدمات الثقافية والعلمية والسياحية، وحماية الأعضاء وتنمية أعمالهم فيما بينهم في مجال السياحة أو أي مجالات استثمارية أخري، وحماية البيئة والمحافظة عليها وغيرها من الاختصاصات الأخرى.

ما الأنشطة التي تقوم بها الجمعية؟

تقوم الجمعية بالأنشطة التي تهدف إلى حماية البيئة وتشجع السياحة البيئية مثل الندوات والمحاضرات الثقافية والعلمية والأدبية لتوعية الأعضاء والأهالي وأهل الصناعة والأكاديميين، تنظيم رحلات ثقافية وتسويقية واستكشاف مقاصد سياحية وترفيهية لأعضاء الجمعية والمنتسبين إليها، إقامة الندوات وعمل الملصقات لتوعية الجماهير بأهمية السياحة والحفاظ عليها وحملات توعية للحفاظ على الآثار وحسن معاملة السائح، تنظيم المعارض والمؤتمرات المتعلقة بالأنشطة السياحية والصناعات المرتبطة بها. المعاونة على رفع جودة المنتج السياحي المصري للمنافسة في السوق العالمية، تنظيم الفعاليات والاحتفالات والمهرجانات لتنشيط السياحة داخل وخارج مصر. متابعة ومشاركة البعثات الأثرية المصرية والأجنبية في المناطق الأثرية. مراجعة وتعديل ومجابهة المعلومات السياحية والتاريخية الخاطئة والمغلوطة التي تمس سمعة مصر وذلك بالتنسيق مع الجهات المختصة. المساعدة في إعداد وإخراج مواد فيلميه دعائية لتسويق المناطق السياحية،  نشر الثقافة المصرية، تقديم كافة الأنشطة للتعرف على الدول الأخرى وتقوية العلاقات الثقافية والاجتماعية وتبادل الوفود وأخيرا إقامة الدورات التدريبية للتعرف على أساليب الإدارة الحديثة وتنمية المهارات.

حدثنا عن مفهوم السياحة الثقافية؟

السياحة الثقافية باختصار شديد هي الترويج لمصر كوجهة تراثية عالمية مثال على ذلك: حملات “Visit Egypt” التي تم تدشينها على مواقع التواصل الاجتماعي والتي تُظهر التنوع الحضاري.

ما رأيك في دور الدولة في الحفاظ على التراث والهوية المصرية؟

تلعب الدولة المصرية دورًا محوريًا في الحفاظ على التراث والهوية المصرية، وذلك من خلال عدة محاور رئيسية وهي:  الحفاظ على التراث المادي (الأثري والمعماري)، الحفاظ على التراث غير المادي، وتعزيز الهوية المصرية عبر التعليم والإعلام.

كيف تحافظ الدولة على التراث المادي؟

من خلال سن التشريعات والقوانين التي تحافظ على الأثار المصرية والتنقيب عنها وترميمها وتطوير المتاحف، حيث تُصدر الدولة قوانين صارمة لحماية الآثار، مثل قانون الآثار المصري الذي يُجرم التنقيب غير المشروع أو تهريب القطع الأثرية. وتدعم الدولة أيضا مشاريع التنقيب الأثري بالتعاون مع البعثات الدولية، كما تهتم الدولة بترميم المواقع الأثرية وخير دليل على ذلك ترميم معابد الأقصر، وإطلاق مشروع المتحف المصري الكبير، وإنشاء متاحف عالمية (مثل المتحف القومي للحضارة المصرية، متحف الغردقة) لعرض التراث وحمايته من السرقة أو التلف.

كيف تحافظ الدولة على التراث غير المادي؟

  تحافظ الدولة على التراث غير المادي من خلال التسجيل والتصنيف ودعم الحرف التقليدية وتعزيز الهوية المصرية عبر التعليم والإعلام، حيث قامت الدولة بتسجيل العناصر التراثية غير المادية في قوائم اليونسكو للتراث الإنساني كفنون السيرة الهلالية، والأغاني الشعبية، والحرف اليدوية وغيرها، وتدعم الدولة الحرف التقليدية من خلال تشجيع الحرفيين عبر المشاريع الصغيرة (مثل مشغولات الخزف، النحاس، السجاد اليدوي)، كما تعقد الدولة مهرجانات الفنون لإحياء الموروث الشعبي مثل “مهرجان الأغنية” في أسوان أو “أيام التراث” في القاهرة.

وفيما يتعلق بتعزيز الهوية المصرية عبر التعليم والإعلام تم إدراج تاريخ مصر وحضارتها في المناهج التعليمية لتعزيز الانتماء  كما تم إنتاج برامج تلفزيونية عن آثار الفراعنة وأفلام وثائقية ومسلسلات تلفزيونية عن أحياء ومناطق بمصر تُبرز تاريخها (مثل مسلسل “الأزهر” وغيره من المسلسلات).

من وجهه نظرك كيف تحافظ مصر على تاريخ تراثها ؟

تقوم مصر بالحفاظ على تاريخها عن طريق التعاون الدولي والعمل مع منظمات مثل اليونسكو لاستعادة الآثار المهربة (مثل مسلة رمسيس الثانية التي استُعيدت من فرنسا)، المشاركة في معارض عالمية لعرض التراث المصري (مثل المعارض المتجولة في متاحف العالم، كما تقوم الدولة بالحفاظ على تاريخها من خلال مكافحة التطرف الفكري، ومواجهة العمران العشوائي، والرقمنة، حيث تدعم الدولة الخطاب الديني المعتدل الذي يحترم التنوع التاريخي لمصر (مثل تجديد الخطاب الأزهري)، وتواجه الدولة العمران العشوائي من خلال حماية المناطق الأثرية من التعديات (مثل مشروع تطوير منطقة الفسطاط)، كما تهتم الدولة برقمنة التراث حيث يتم توثيق الآثار رقميًا لحفظها من الاندثار وخير مثال على ذلك مشروع “مصر الرقمية” لمسح الآثار ثلاثي الأبعاد.

ما دور مؤسسات الدولة المتخصصة في دعم تراث مصر؟

يشرف المجلس الأعلى للآثار على كل ما يتعلق بالحفائر والمواقع الأثرية، وتحتفظ  دار الكتب والوثائق القومية بالمخطوطات النادرة والتراث المكتوب، كما يمول صندوق إنقاذ الآثار مشاريع الطوارئ لإنقاذ المواقع المهددة (مثل معبد أبو سمبل).

الخبير الأثري الدكتور خالد سعد في حوار خاص لــ (موروث): البعثات الأثرية المصرية حققت الريادة على مستوى العالم عام 2024 ومصر تدرس وجود وكيل سياحي ممثل لها

 

على جميع وزارات ومؤسسات الدولة التكاتف فيما بينها حتى لا يقع الشباب في فخ الهوية الغربية الأوربية

حوار: فارس عزالدين، أحمد طه

تشهد مصر في الآونة الأخيرة طفرةً كبيرة في طريق التنمية والتطوير، وذلك في جميع المجالات، خاصة في المجالين: الأثري والسياحي، حيث تُولي الدولة المصرية أهمية كبرى لهذين القطاعين، وذلك لدورهما الفعال في الحفاظ على تاريخنا وتراثنا الأثري المجيد، بجانب كونهما من أهم المجالات التي يعتمد عليها الاقتصاد المصري بشكل عام.

وفي هذا السياق أجرينا حوارًا مع الخبير الأثري الدكتور خالد سعد، الذي تحدث عن الجهود التي تبذلها الدولة المصرية في الاهتمام بالقطاع الأثري والسياحي خلال الفترة الماضية.

س1 ماذا عن التطورات التي يشهدها القطاع السياحي في مصر خلال الآونة الأخيرة؟

‏على المستوى السياحي؛ لابد أن يعرف الجميع أن مصر أخدت مجموعة من المراكز المتقدمة في الفترة الأخيرة في هذا القطاع، كما يوجد العديد من الأماكن السياحية المصرية التي تم وضعها مؤخرًا على الخريطة السياحية العالمية، بالإضافة إلى المواقع القديمة مثل تلك الموجودة في مرسى علم وسفاجا والقصير والواحات البحرية وسيناء وأسوان وسوهاج، بجانب الاكتشافات الأثرية الحديثة، وقد أخرجنا خلال العام الماضي فقط 59 تابوتًا من بئرٍ واحد، والبئر الثاني أخرجنا منه مائة تابوت أيضًا جميعهم بالمومياوات الخاصة بهم، بالإضافة إلى بئرٍ ثالث كان يحتوي على 600 تابوت، فهل تدرك حجم الآثار التي لا زالت تخرج من أرض مصر!

س2 إلى أي مدى وصلت مصر في قطاع الترميم؟

نحن نقوم بعمل ترميم وإعادة إحلال وتجديد لكثيرٍ من المواقع الأثرية في معظم أرجاء مصر، والتي من المفترض دخولها في خريطة السياحة المصرية قريبًا، ومنها منطقة الأقصر ومنطقة سقارة ومنطقة أسوان وجبل الهوا والداخلة والخارجة والواحات البحرية والفرافرة، وكل هذه المناطق تم وضعها بالفعل في الوقت الحالي على خريطة السياحة، زيادةً على ذلك، فإننا نعمل حاليًا على إعادة ترميم مواقع كثيرة ومنها المعابد، والتي نعمل فيها على إزالة “السناج”، من داخلها والسناج هو بقايا “الوطاويط” وهذا ما حدث في معبد “إسنا” ومعبد “دندرة”.

س3 من وجهه نظرك، هل توسعت مصر خلال المرحلة الماضية في مجال البعثات الأثرية المصرية؟

بالفعل توسعت مصر في مجال البعثات الأثرية المصرية التي حققت كمًا مهولًا من الاكتشافات الأثرية، والتي تخطت كل البعثات الأجنبية، لدرجة أن هذه البعثات حققت عام 2024 الريادة على مستوي العالم.

س4 ما الذي يساعد قطاع السياحة في مصر على هذا التقدم؟

 وجود قدرٍ كافٍ من الأمن والأمان في مصر في ظل الأحداث الجيوسياسية التي يمر بها الشرق الأوسط، هي النقطة الأهم التي ساعدت مصر على التقدم في مجال السياحة على المستوى العالمي، كما ساعد بناء الطرق والكباري الجديدة بشكل حضاري على دعم العديد من التطورات في القطاع السياحي، حتى إننا نجد على الطريق الدائري صورًا للملوك من الأسر الفرعونية المختلفة.

س5 من وجهه نظرك، ما الإشكاليات التي تواجه قطاع السياحة في مصر؟

لدينا مجموعة من الإشكاليات تواجه السياحة في مصر، منها سلوك المواطن العادي في الأماكن السياحية فهو لا يرتقي إلى الشكل المطلوب، ولدينا أماكن سياحية لم يتم إعادة إحلالها وتجديدها لاحتياجها لمبالغ ضخمة جدًا، وكذلك الوكيل السياحي؛ فعندما وجدت مصر الوكيل السياحي يفرض نوعًا من الممارسات والضغط والمساومة على الأفواج السياحية، اتخذت قرارًا بالبحث عن وكيل سياحي ممثلٍ لها، سواءً من هيئة تنشيط السياحة أو مرشد سياحي، خاصة وأن الأسواق الجديدة كانت مبشرة بالخير، لا سيما سوق شرق آسيا وأمريكا اللاتينية.

س6 كيف يمكن ربط القطاع السياحي بالتراث المصري؟

أنا دائمًا ما أنادي بأمرٍ في غاية الأهمية، وهو أن تتحول مصر من سياحة الرؤية إلى صناعة السياحة، فلابد أن يكون لديك منتج يُقدّم للسائح بمقابل مرتبط بتراثنا، مثل ما تقوم به الصين والهند حاليًا من تصدير منتجات مرتبطة بتراثهما، وإسبانيا أكبر دولة تجذب السياح تقوم بذلك أيضًا، فإذا نظرنا إلى قرية “تونس” بالفيوم القرية المتخصصة بالكامل في الفخار والموزاييك، سنجدها مثالًا على القطاع الخاص الناجح في السياحة ويمكن استغلالها في التحول الصناعي الضخم، والذي يمكن أن يؤدي بدوره إلى عدم وجود طبق صيني داخل كل بيت مصري، بحيث يصبح الطبق مصري والبرواز مصري والباب مصري، وسوف تلاقي منتجاتنا حينها إقبالًا من الشارع المصري مثلما حدث أثناء المقاطعة، بالإضافة إلى إمكانية تصديرنا هذه الصناعات إلى الخارج مثلما فعلت دولة الصين.

س7 ما هو تعريفك للتراث المصري؟

يُلخَّص التراث المصري في شيئين اثنين: التراث المادي والتراث غير المادي، أو بمعني آخر التراث المرئي والتراث غير المرئي، والتراث غير المادي هو عبارة عن عاداتنا وتقاليدنا وملابسنا وأكلنا وشرابنا، وكل ما يتصل بالحياة اليومية الخاصة بنا، بينما يتمثل التراث المادي بآثارنا الفرعونية وآثار ما قبل التاريخ والآثار ذات الطابع اليوناني والروماني الموجودة في مصر، بالإضافة إلى الآثار القبطية واليهودية، حيث تعد مصر أكبر دولة ذات تراث في العالم، لأن تراثها فريد من نوعه، ودائمًا ما نقول أن مصر ذات تراث استثنائي، لأنه ليست هناك دولة أخرى في العالم لديها هذا المكون الثقافي الحضاري الموجود في مصر.

‏س8 مَن الجهات المسئولة في مصر عن تكوين الهوية المصرية لدى الشباب المصري؟

‏تشترك العديد من المؤسسات الحكومية المصرية في تكوين الهوية المصرية لدى الشباب؛ وعلى رأس هذه المؤسسات وزارة الثقافة ووزارة السياحة ووزارة الآثار ووزارة الإعلام ووزارة التربية والتعليم وزارة التعليم العالي، فهم بالفعل أهم الوزارات المسئولة عن تكوين البنية الأساسية للشباب في الجزء الخاص بالتراث والهوية المصرية.

س9 وهل تقدم مناهج وزارة التربية والتعليم مادةً علمية جيدة تتعلق بالتراث المصري؟

إذا نظرنا إلى حجم المادة الأثرية الموجودة في الكتب الخاصة بوزارة التربية والتعليم خلال مراحل التعليم الأساسي، سنجد أنها قليلة جدًا بالنسبة لحجم التاريخ المصري والحضارة المصرية.

س10 ماذا لو قصرت هذه الجهات في دورها التوعوي بالتراث والهوية؟

يوجد دور أصيل من المفترض أن تقوم به هذه المؤسسات وهو تكوين البنية الأساسية للشباب في الجزء الخاص بالتراث والهوية المصرية، ولا يجب أن يضعف هذا الدور، لأنه لو ضعُف، فإن الشاب الذي يريد الحصول على المحتوى الثقافي أو المعلومات التراثية سيلجأ إلى جهاتٍ أخرى قد تكون غير موثوقة، فعندما يجد الشباب المصري المحتوى المقدم من هذه المؤسسات قليلًا وغير كافٍ لإشباع رغبته في المعرفة، سيبدأ في البحث على “السوشيال ميديا” والتي تمثل خطورة كبيرة بسبب وجود الكثير من المعلومات المغلوطة بها، ولا يدرك الشباب حينها أن تلك المعلومات مغلوطة لعدم وجود مرجع موثوق فيه، وهذا بخلاف ما كان موجودًا في السابق؛ إذ كانت هناك العديد من المصادر الموثوق بها والتي كانت تساعد في تكوين هوية الشباب منذ الصغر مثل المدرسة والنادي والمكتبة والنشاط والتربية أيضًا، لكن حاليًا وفي ظل التطور التكنولوجي أصبح الأمر أكثر صعوبة.

س11 ما الخطوات التي لابد أن تتخذها مؤسسات الدولة معًا للحفاظ على هوية الشباب المصري؟

‏ إذا أردنا الحفاظ على هوية الشباب المصري فيجب ألا تقوم كل وزارة بالعمل بمفردها، وعلى جميع وزارات ومؤسسات الدولة التكاتف فيما بينها حتى لا يقع الشباب في فخ الهوية الغربية الأوروبية وهناك خطوات لا حصر لها، على سبيل المثال، لماذا لا تقوم وزارة الشباب والرياضة ووزارة الثقافة بعمل بروتوكول تعاون بينهما، تُستغل من خلاله مراكز الشباب في عمل ندوات خاصة بالتوعية الحضارية للشباب في جميع ربوع مصر، وليس القاهرة والإسكندرية فقط، ويجب عليهم تبني مبادرات أيضًا في النوادي والمكتبات وقصور الثقافة والمسارح والكثير من الأماكن، بما يسهم في تكوين هوية الشاب المصري.

س12 ماذا لو نجحت الدولة في توعية الشباب المصري بتراثه وهويته المصرية؟

إذا نجحت الدولة في توعية الشباب المصري بتراثه وهويته المصرية؛ فإن الشباب سيدرك قيمة بلاده وثقل تراثها، وعندها سيكون من السهل تكوين مجموعة من المؤسسات الأمنية والشرطية ذات بعد تراثي وحضاري قوي جدًا، وبعدما ينتهي الشباب من أداء خدمتهم العسكرية؛ سنجد منهم من يقوم بالبحث عن وظيفة، وتكوين عمل خاص أو عمل حر له دون تشاؤم وإحباط، وحينها يجب على الدولة دعم هؤلاء الشباب لإنتاج منتج صناعي ذات طابع تراثي، وتسهيل إعطاء التصاريح لهم مع عدم فرض الضرائب، لأن ذلك سيكون جزءًا من جهود تأصيل التراث والحفاظ على ما تبقى منه.

اليونسكو تنظم منتدى التراث العالمي للمهنيين الشباب 2025 يوليو المقبل


 كتب: محمد عبدالله

ينظم برنامج اليونسكو لتعليم التراث العالمي، يوليو المقبل، منتدى اليونسكو للتراث العالمي للمهنيين الشباب 2025 تحت عنوان “التراث العالمي في عالم مترابط: الاستفادة من التقنيات الرقمية والأساليب المبتكرة”، وذلك بمقر اليونسكو في العاصمة الفرنسية “باريس” خلال الفترة من 1 إلى 8 يوليو 2025، ويُعد هذا المنتدى جزءًا من الدورة السابعة والأربعين للجنة التراث العالمي وهي لجنة تابعة لمنظمة اليونسكو تجتمع سنويًا، وتتألف من ممثلي 21 دولة ومن ضمنهم مصر.

يهدف هذا المنتدى إلى تعزيز معرفة المهنيين الشباب بأهمية حماية التراث الثقافي والطبيعي، بالإضافة إلى تعزيز أساليب الحفظ والصيانة باستخدام التقنيات الحديثة، كما يوفر فرصة للتواصل وتبادل الأفكار والخبرات بين المشاركين من خلفيات متنوعة ومن دول مختلفة.

يساعد المنتدى المشاركين الشباب على فهم المصطلحات العالمية المتعلقة بالتراث العالمي، كما يساعدهم على استكشاف كيف يمكن للتقنيات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي والأدوات الغامرة (الواقع المعزز والافتراضي) والخرائط الرقمية والطائرات بدون طيار والنمذجة ثلاثية الأبعاد، أن تُحدث ثورة في الحفاظ على التراث العالمي وتعزز الوعي العام. بالإضافة إلى ذلك، سيدرسون الأساليب المبتكرة للتراث العالمي التي تهدف إلى تعزيز الإدارة المستدامة للتراث وتعليمها للأجيال القادمة.

فرصة الاشتراك في المنتدى متاحة للشباب من مختلف دول العالم بشرط أن تكون أعمارهم بين 23 و32 عامًا أي من (مواليد الفترة من 30 يونيو 1993 إلى 30 يونيو 2002)، وذلك دون الحاجة إلى دفع أي رسوم تسجيل، حيث تتحمل اليونسكو جميع التكاليف المرتبطة بالمشاركة، بما في ذلك تذاكر السفر، الإقامة، الوجبات، رسوم التأشيرة، والنقل الداخلي. وستقوم اليونسكو باختيار 25 مرشحًا من بين المتقدمين، مع مراعاة التنوع الجغرافي والتخصصات الأكاديمية.

جدير بالذكر أن التخصصات المطلوبة تشمل مجال الهندسة المعمارية، علم الآثار، الترميم، التخطيط الحضري، تاريخ الفن، أو أي تخصص متعلق بالتراث، كما يُفضل أن يتمتع المتقدم بمهارات رقمية ومعرفة أو خبرة في استخدام التكنولوجيا الرقمية في مجال التراث العالمي.

يُرجى من المهتمين والراغبين في الترشح زيارة الرابط الرسمي لليونسكو للمزيد من التفاصيل (https://whc.unesco.org/en/news/2765).