على جميع وزارات ومؤسسات الدولة التكاتف فيما بينها حتى لا يقع الشباب في فخ الهوية الغربية الأوربية
حوار: فارس عزالدين، أحمد طه
تشهد مصر في الآونة الأخيرة طفرةً كبيرة في طريق التنمية والتطوير، وذلك في جميع المجالات، خاصة في المجالين: الأثري والسياحي، حيث تُولي الدولة المصرية أهمية كبرى لهذين القطاعين، وذلك لدورهما الفعال في الحفاظ على تاريخنا وتراثنا الأثري المجيد، بجانب كونهما من أهم المجالات التي يعتمد عليها الاقتصاد المصري بشكل عام.
وفي هذا السياق أجرينا حوارًا مع الخبير الأثري الدكتور خالد سعد، الذي تحدث عن الجهود التي تبذلها الدولة المصرية في الاهتمام بالقطاع الأثري والسياحي خلال الفترة الماضية.
س1 ماذا عن التطورات التي يشهدها القطاع السياحي في مصر خلال الآونة الأخيرة؟
على المستوى السياحي؛ لابد أن يعرف الجميع أن مصر أخدت مجموعة من المراكز المتقدمة في الفترة الأخيرة في هذا القطاع، كما يوجد العديد من الأماكن السياحية المصرية التي تم وضعها مؤخرًا على الخريطة السياحية العالمية، بالإضافة إلى المواقع القديمة مثل تلك الموجودة في مرسى علم وسفاجا والقصير والواحات البحرية وسيناء وأسوان وسوهاج، بجانب الاكتشافات الأثرية الحديثة، وقد أخرجنا خلال العام الماضي فقط 59 تابوتًا من بئرٍ واحد، والبئر الثاني أخرجنا منه مائة تابوت أيضًا جميعهم بالمومياوات الخاصة بهم، بالإضافة إلى بئرٍ ثالث كان يحتوي على 600 تابوت، فهل تدرك حجم الآثار التي لا زالت تخرج من أرض مصر!
س2 إلى أي مدى وصلت مصر في قطاع الترميم؟
نحن نقوم بعمل ترميم وإعادة إحلال وتجديد لكثيرٍ من المواقع الأثرية في معظم أرجاء مصر، والتي من المفترض دخولها في خريطة السياحة المصرية قريبًا، ومنها منطقة الأقصر ومنطقة سقارة ومنطقة أسوان وجبل الهوا والداخلة والخارجة والواحات البحرية والفرافرة، وكل هذه المناطق تم وضعها بالفعل في الوقت الحالي على خريطة السياحة، زيادةً على ذلك، فإننا نعمل حاليًا على إعادة ترميم مواقع كثيرة ومنها المعابد، والتي نعمل فيها على إزالة “السناج”، من داخلها والسناج هو بقايا “الوطاويط” وهذا ما حدث في معبد “إسنا” ومعبد “دندرة”.
س3 من وجهه نظرك، هل توسعت مصر خلال المرحلة الماضية في مجال البعثات الأثرية المصرية؟
بالفعل توسعت مصر في مجال البعثات الأثرية المصرية التي حققت كمًا مهولًا من الاكتشافات الأثرية، والتي تخطت كل البعثات الأجنبية، لدرجة أن هذه البعثات حققت عام 2024 الريادة على مستوي العالم.
س4 ما الذي يساعد قطاع السياحة في مصر على هذا التقدم؟
وجود قدرٍ كافٍ من الأمن والأمان في مصر في ظل الأحداث الجيوسياسية التي يمر بها الشرق الأوسط، هي النقطة الأهم التي ساعدت مصر على التقدم في مجال السياحة على المستوى العالمي، كما ساعد بناء الطرق والكباري الجديدة بشكل حضاري على دعم العديد من التطورات في القطاع السياحي، حتى إننا نجد على الطريق الدائري صورًا للملوك من الأسر الفرعونية المختلفة.
س5 من وجهه نظرك، ما الإشكاليات التي تواجه قطاع السياحة في مصر؟
لدينا مجموعة من الإشكاليات تواجه السياحة في مصر، منها سلوك المواطن العادي في الأماكن السياحية فهو لا يرتقي إلى الشكل المطلوب، ولدينا أماكن سياحية لم يتم إعادة إحلالها وتجديدها لاحتياجها لمبالغ ضخمة جدًا، وكذلك الوكيل السياحي؛ فعندما وجدت مصر الوكيل السياحي يفرض نوعًا من الممارسات والضغط والمساومة على الأفواج السياحية، اتخذت قرارًا بالبحث عن وكيل سياحي ممثلٍ لها، سواءً من هيئة تنشيط السياحة أو مرشد سياحي، خاصة وأن الأسواق الجديدة كانت مبشرة بالخير، لا سيما سوق شرق آسيا وأمريكا اللاتينية.
س6 كيف يمكن ربط القطاع السياحي بالتراث المصري؟
أنا دائمًا ما أنادي بأمرٍ في غاية الأهمية، وهو أن تتحول مصر من سياحة الرؤية إلى صناعة السياحة، فلابد أن يكون لديك منتج يُقدّم للسائح بمقابل مرتبط بتراثنا، مثل ما تقوم به الصين والهند حاليًا من تصدير منتجات مرتبطة بتراثهما، وإسبانيا أكبر دولة تجذب السياح تقوم بذلك أيضًا، فإذا نظرنا إلى قرية “تونس” بالفيوم القرية المتخصصة بالكامل في الفخار والموزاييك، سنجدها مثالًا على القطاع الخاص الناجح في السياحة ويمكن استغلالها في التحول الصناعي الضخم، والذي يمكن أن يؤدي بدوره إلى عدم وجود طبق صيني داخل كل بيت مصري، بحيث يصبح الطبق مصري والبرواز مصري والباب مصري، وسوف تلاقي منتجاتنا حينها إقبالًا من الشارع المصري مثلما حدث أثناء المقاطعة، بالإضافة إلى إمكانية تصديرنا هذه الصناعات إلى الخارج مثلما فعلت دولة الصين.
س7 ما هو تعريفك للتراث المصري؟
يُلخَّص التراث المصري في شيئين اثنين: التراث المادي والتراث غير المادي، أو بمعني آخر التراث المرئي والتراث غير المرئي، والتراث غير المادي هو عبارة عن عاداتنا وتقاليدنا وملابسنا وأكلنا وشرابنا، وكل ما يتصل بالحياة اليومية الخاصة بنا، بينما يتمثل التراث المادي بآثارنا الفرعونية وآثار ما قبل التاريخ والآثار ذات الطابع اليوناني والروماني الموجودة في مصر، بالإضافة إلى الآثار القبطية واليهودية، حيث تعد مصر أكبر دولة ذات تراث في العالم، لأن تراثها فريد من نوعه، ودائمًا ما نقول أن مصر ذات تراث استثنائي، لأنه ليست هناك دولة أخرى في العالم لديها هذا المكون الثقافي الحضاري الموجود في مصر.
س8 مَن الجهات المسئولة في مصر عن تكوين الهوية المصرية لدى الشباب المصري؟
تشترك العديد من المؤسسات الحكومية المصرية في تكوين الهوية المصرية لدى الشباب؛ وعلى رأس هذه المؤسسات وزارة الثقافة ووزارة السياحة ووزارة الآثار ووزارة الإعلام ووزارة التربية والتعليم وزارة التعليم العالي، فهم بالفعل أهم الوزارات المسئولة عن تكوين البنية الأساسية للشباب في الجزء الخاص بالتراث والهوية المصرية.
س9 وهل تقدم مناهج وزارة التربية والتعليم مادةً علمية جيدة تتعلق بالتراث المصري؟
إذا نظرنا إلى حجم المادة الأثرية الموجودة في الكتب الخاصة بوزارة التربية والتعليم خلال مراحل التعليم الأساسي، سنجد أنها قليلة جدًا بالنسبة لحجم التاريخ المصري والحضارة المصرية.
س10 ماذا لو قصرت هذه الجهات في دورها التوعوي بالتراث والهوية؟
يوجد دور أصيل من المفترض أن تقوم به هذه المؤسسات وهو تكوين البنية الأساسية للشباب في الجزء الخاص بالتراث والهوية المصرية، ولا يجب أن يضعف هذا الدور، لأنه لو ضعُف، فإن الشاب الذي يريد الحصول على المحتوى الثقافي أو المعلومات التراثية سيلجأ إلى جهاتٍ أخرى قد تكون غير موثوقة، فعندما يجد الشباب المصري المحتوى المقدم من هذه المؤسسات قليلًا وغير كافٍ لإشباع رغبته في المعرفة، سيبدأ في البحث على “السوشيال ميديا” والتي تمثل خطورة كبيرة بسبب وجود الكثير من المعلومات المغلوطة بها، ولا يدرك الشباب حينها أن تلك المعلومات مغلوطة لعدم وجود مرجع موثوق فيه، وهذا بخلاف ما كان موجودًا في السابق؛ إذ كانت هناك العديد من المصادر الموثوق بها والتي كانت تساعد في تكوين هوية الشباب منذ الصغر مثل المدرسة والنادي والمكتبة والنشاط والتربية أيضًا، لكن حاليًا وفي ظل التطور التكنولوجي أصبح الأمر أكثر صعوبة.
س11 ما الخطوات التي لابد أن تتخذها مؤسسات الدولة معًا للحفاظ على هوية الشباب المصري؟
إذا أردنا الحفاظ على هوية الشباب المصري فيجب ألا تقوم كل وزارة بالعمل بمفردها، وعلى جميع وزارات ومؤسسات الدولة التكاتف فيما بينها حتى لا يقع الشباب في فخ الهوية الغربية الأوروبية وهناك خطوات لا حصر لها، على سبيل المثال، لماذا لا تقوم وزارة الشباب والرياضة ووزارة الثقافة بعمل بروتوكول تعاون بينهما، تُستغل من خلاله مراكز الشباب في عمل ندوات خاصة بالتوعية الحضارية للشباب في جميع ربوع مصر، وليس القاهرة والإسكندرية فقط، ويجب عليهم تبني مبادرات أيضًا في النوادي والمكتبات وقصور الثقافة والمسارح والكثير من الأماكن، بما يسهم في تكوين هوية الشاب المصري.
س12 ماذا لو نجحت الدولة في توعية الشباب المصري بتراثه وهويته المصرية؟
إذا نجحت الدولة في توعية الشباب المصري بتراثه وهويته المصرية؛ فإن الشباب سيدرك قيمة بلاده وثقل تراثها، وعندها سيكون من السهل تكوين مجموعة من المؤسسات الأمنية والشرطية ذات بعد تراثي وحضاري قوي جدًا، وبعدما ينتهي الشباب من أداء خدمتهم العسكرية؛ سنجد منهم من يقوم بالبحث عن وظيفة، وتكوين عمل خاص أو عمل حر له دون تشاؤم وإحباط، وحينها يجب على الدولة دعم هؤلاء الشباب لإنتاج منتج صناعي ذات طابع تراثي، وتسهيل إعطاء التصاريح لهم مع عدم فرض الضرائب، لأن ذلك سيكون جزءًا من جهود تأصيل التراث والحفاظ على ما تبقى منه.