الخميس، 1 مايو 2025

رحلة ( الأسطى محمد ) مدرس الماث لإنقاذ تراث عائلته في مهنة النجارة

 


فيتشر: فارس عز الدين

عكس الكثيرين ممن يمتهنون مهنًا مختلفة عن مهن آبائهم، هناك من يكافح للحفاظ على تراث مهنة والده، ففي نهاية إحدى الأزقة المتفرعة من الحواري الضيقة بشارع المعز لدين الله الفاطمي، تجد “الأسطى محمد” مدرس الرياضيات في الصباح، والنجار بورشة الموبيليا التي ورثها عن والده في المساء.

يخصص الأستاذ محمد عنتر مدرس الرياضيات في الصباح وقتًا لمدرسته، وفي المساء يترك نفسه لإدارة ورشة الموبيليا التي ورثها عن والده؛ ليثبت لنا أنه “صنايعي” مصري أصيل، يفتخر بصنعة والده، ويبلغ قصارى جهده للمحافظة على تراث وتاريخ هذه المهنة.

يجلس الأسطى محمد ومعه ثلاثة رجال يساعدونه في ورشته “ورشة موبيليا الحاج عنتر النجار وأخيه محمد” ورغم أن الورشة قديمة وجدرانها متهالكة إلا أن محمد وزملائه يجعلونها مشتعلة بالعمل، حيث تمتلئ الورشة بأصوات ألواح الخشب وكافة المعدات القديمة والحديثة معًا.

يقول الأسطى محمد: “أنا محمد عنتر سيد مدرس رياضيات، نجار وارث الورشة دي عن والدي الحاج عنتر الله يرحمه، الورشة مفتوحة من سنة 1968 وقتها كان عندي 8 سنوات”.  

ويستكمل الأسطى محمد حديثه: “وُلد والدي عام 1935، وبدأ في مهنة النجارة عام 1948، حينها كان عمره ثلاثة عشر عامًا، عمل والدي وهو في هذا السن مع الخواجات واليونانيين والأرمن، وتعلم منهم الكثير في مهنة النجارة، ويُعد الصبر أهم شيء تعلمه منهم”.

بعيون يملؤها الحنين، يقول الأسطى محمد: “والدي الله يرحمه كان شغال مع الناس اللي بتشتغل في البايوهات، وشغل المكونات النحاس بتاعتها -تنتمي البايوهات إلى طراز الأثاث الكلاسيكي وتشبة الكومدينو وكان يزين بها قصور الملوك والأمراء- وبعدها اشتغل عند الأسطى “حسن الشركشي” اللي كان ماسك تصميم الموبيليات الملكية وموبيليا الفنانين، وصمَم وقتها موبيليا القصور، زي قصر عابدين، وقصر طاهر، وقصر القبة، وأشتغل والدي معاه، وتعلم منه كتير، وتشاركوا العمل في شقة الفنانة مريم منيب والفنان أنور وجدي وفيلا صفاء المهندس، ومن هنا والدي تعلم منه جودة الصنعة، وأنا تعلمت منه أنا وعمي وابن عمي، وتعلمت منه إن الحياة تعاون، وأنا بعامل كل اللي شغالين معايا في الورشة على أنهم إخواتي وكلنا واحد”.

يحكي الأسطى محمد قصة ورشته القديمة قائلًا: “الورشة دي ليها حكاية ومتفتحتش كده في يوم وليلة، الورشة دي موجودة ومحافظين عليها وعلى تراثها القديم، وقصتها هي إن والدي وأخوه كانوا شغالين في إحدى الورش المشهورة في أرض شريف، وهي من أهم الأماكن اللي بتصنع موبيليا في مصر، الكلام ده كان قبل نكسة 1967م، وبعد النكسة كانوا بيشتغلوا في الورشة يوم كامل، ولكن الأجر يبقى يوم إلا ‫14 يعني مثلًا لو والدي بيآخد 80 قرش كان قبضه في الفترة دي 60 قرش، وفي يوم من الأيام النور قطع وعمي كان هو “الكوماند” بتاع الورشة، يعني هو اللي كان بيمشي الشغل، وهو اللي كان بيتصرف في المواقف الصعبة، ففي يوم النور قطع وعمي خد أوامر أنه يوقف الشغل اليوم ده، وجه وقت القبض أبويا لقي القبض نص يوم مش يوم إلا ‫14 زي ما اتفقوا، ومن ساعتها والدي حلف أنه مش هينزل الشغل تاني، فشال البنك بتاعه ومشي من الشغل، ونقله في ورشة صديق ترك له الورشة على سبيل الهدية، ومن بعدها تطور في الشغل واتعامل مع معارض كثيرة واتشهر.

ويضيف الأسطى محمد: “البنك ده يا جماعة متصنع عام 1945 ومعايا مبايعة معمولة ليه سنة 1952 بخمسة جنيه، وحاليًا لا يقدر بثمن؛ لأنه معمول من أجود أنواع الخشب، وصعب الحصول عليها الآن.”

ويعتبر الأسطى محمد نفسه من الجيل الثاني في مهنة النجارة، حيث يرى أن والده وعمه هما الجيل الأول، ورغم أنه يعمل مدرس رياضيات أو ماث (Math) في إحدى مدراس اللغات إلا أنه لا يستطيع أن يستغنى عن المهنة التي ورثها عن والده؛ لأنه يراه الإرث الحقيقي الذي تركه له والده قبل الوفاة.

وأكمل الأسطى محمد كلامه: “حقيقي أنا بعتز بورشة والدي وبفتخر إني ورثت مهنته من بعده؛ لأني بحبها ومتعلق بيها، فرغم إني مدرس رياضيات وليس لي حاجة ملحة للاستمرار في مهنة والدي، إلا إن شغفي وحبي للمهنة وإصراري على استكمال المسيرة جعلني أطور من المهنة، مضيفًا: “إحنا بدأنا نطور في التصنيع، زمان كنا بنشتغل بالأبلكاش والخشب الكبس، ودلوقتي بقى بنستخدمه قليل جدًا؛ لإن محدش بقى يستخدمه؛ لأنه بيضيع وقت، وكمان إحنا غيرنا نوع العدة الـلي بنستخدمها وطورناها، وده سعيًا للحفاظ عليها في ظل التقدم التكنولوجي الحديث”.

 وعن عدة والده يقول الأسطى محمد مشيرًا إليها بأصابعه: “دي عدة والدي الله يرحمه، وفي أجزاء منها مازلنا نستخدمها حتى الآن، ومنقدرش نفرط فيها أبدًا زي (الشاكوش) وهو ألماني الصنع، و(الفارة) اللي أنا كنت بتعلم بيها وأنا طفل، و(الشنيور) القديم اليدوي اللي بنخرم بيه، و(الجايون) اللي بيستخدم في أنه بيعمل المقاسات اللي بنشتغل عليها، و(الرابوع) المعمول من خشب السنديان… إلخ.


وعن التطور الذي حدث في الأدوات و”عدة” النجارة يقول الأسطى محمد: “الخامات كلها دلوقتي بقت متطورة، زي الزان الأحمر، والخشب الكونتر اللي يُعتبر من أعلى الخامات، وبيتم تقطيعه على مقطع، والصينية بتطلع الزاوية حسب الرغبة، ومن ضمن التطوير إن مفيش حد دلوقتي بقا يدق مسمار بشكل يدوي وبقى الشغل “بالكومبريسور”.






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق