‏إظهار الرسائل ذات التسميات فيتشر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فيتشر. إظهار كافة الرسائل

السبت، 17 مايو 2025

«عين حلوان: تراث استشفائي على وشك النسيان»


 

كتب: أحمد عبدالمتعال

ذات يوم، كانت “عين حلوان الكبريتية” سبيلًا للعلاج وملجأً للباحثين عن الراحة، يقصدها المصريون والأجانب للاستشفاء من أمراضهم، وللاسترخاء في أحضان الطبيعة. واليوم؟ ما تبقى منها لا يسرّ زائرًا ولا يرضي مريضًا. فتحت طبقات من الإهمال تتقلص مساحة واحدة من أثمن الهبات الطبيعية التي منحها الله لمصر في قلب حي حلوان بالقاهرة، واليوم بين أبنية شاهدة على عصر كان راقيًا، تتوارى عين حلوان الكبريتية خلف أسوار قديمة، ومياه تشكو من الإهمال.


تم اكتشاف العين في عام 1899 خلال أعمال حفر خط السكك الحديدية، واكتشف العلماء حينها أنها تحتوي على أعلى نسبة كبريت في الشرق الأوسط، ما جعلها تُصنّف كواحدة من أهم العيون الاستشفائية عالميًا. ومع بداية القرن العشرين، ازدهرت المنطقة، وأُنشئت استراحات وفنادق وعيادات علاجية، وجاءها زوار من شتى أنحاء العالم. ولكن سرعان ما تغير الحال.


دخلت العين دوامة الإهمال مع غياب الخطط التطويرية، وتناست الجهات المعنية قيمتها العلاجية والسياحية. وتحولت المباني التراثية المحيطة إلى أطلال، وامتلأت أحواض المياه بالكائنات الدقيقة والطحالب الخضراء.


تآمرت عوامل عده على هذا الكنز الطبيعي مثل غياب الصيانة، وتردّي البنية التحتية، وإهمال الترويج الإعلامي وصارت عين حلوان اليوم ذكرى باهتة لمكان كان يعِد بأن يكون وجهة عالمية للسياحة العلاجية..

بين أنين المياه الكبريتية التي تكافح كل يوم كي تداوي زوراها، وصمت الجدران التي كانت تستقبل الأمل، تصرخ عين حلوان مطالبة بإنقاذها. ليس فقط لتُعيد أمجادها، بل لتكون شاهدًا على أن مصر لا تُفرط في كنوزها، ولا تترك ذهبها يغرق في الوحل.


تمثال السجيني بالعبور.. تراث منسي على هامش التطوير


 





في ميدان صغير يحمل اسمًا كبيرًا، يقف تمثال “العبور” شامخًا، شاهدًا على لحظة تاريخية من كفاح الشعب المصري، أبدعه الفنان التشكيلي الراحل الدكتور جمال السجيني منذ أكثر من 50 عاما، ليخلد روح النصر والانتصار، ويمنح مدينة بني سويف لمسة من الجمال الفني والتراث النادر.

لم يعد تمثال “العبور” مجرد مجسم برونزي أو قطعة فنية في أحد ميادين المدينة، بل هو شهادة على مرحلة مفصلية في التاريخ المصري الحديث، إذ يجسد معاني التحدي والانتصار المرتبط بحرب أكتوبر المجيدة، كما يعكس بصمة أحد رواد فن النحت في مصر والعالم العربي، الدكتور جمال السجيني، الذي لطالما ربط بين الفن والهوية والحرية.

يعد تمثال “العبور من العلامات الفنية البارزة في صعيد مصر فهو عمل نحتي متميز نُحت ليُخلد لحظة العبور العظيم لقناة السويس في 6 أكتوبر عام 1973، ويُعبر عن كفاح الشعب المصري وجنوده، ويقف منذ سنوات كرمز للمقاومة والصمود في مدينة لم تُنصفه كتراث.

فما آل إليه حال التمثال اليوم يبعث الحزن والقلق. فمع بدء أعمال إنشاء كوبري الشاملة الجديد في بني سويف، تم تجاهل وجود التمثال تمامًا، ولم يتم اتخاذ أي إجراءات لنقله أو حمايته، ليبقى ملاصقًا لأعمال البناء، مهددًا بالتلف أو الإزاحة العشوائية في أي لحظة.

لم يسمع أهالي محافظة بني سويف قرار واضح يضمن سلامه التمثال أو حتى يُعيد النظر في موقعه. لا لافتة تُحذر من الاقتراب منه، لا غطاء يقيه من الغبار، لا دراسة هندسية تأخذ وجوده بعين الاعتبار. كأن التمثال ليس إلا حجرًا يمكن تجاوزه.


رغم أن المشروع القومي للبنية التحتية أمر بالغ الأهمية، إلا أن التعامل مع التراث الثقافي والفني بهذا التهاون يكشف غياب التنسيق والتخطيط بين الجهات المنفذة وبين المختصين في الآثار والثقافة والفنون. فهل يعقل أن يُترك تمثال لفنان بقيمة السجيني عرضة للتشويه أو الإزالة، دون حتى لافتة تعريفية تحكي تاريخه أو تحذر من المساس به؟
جميعنا نعلم أن الخبراء في مجال التراث يُحذرون من الآثار الجسيمة التي قد يتعرض لها التمثال المنحوت بفعل الهزات الأرضية الناتجة عن الحفر العميق، والاهتزازات التي قد تحدث  بسبب مرور المعدات الثقيلة، ناهيك عن احتمال تآكل قاعدته أو تفتت الأجزاء الدقيقة منه. الأسوأ من ذلك، أن بقاءه في هذا الموقع دون خطة للحماية يُنذر بتحوله إلى كائن هامشي في مشهد عمراني صاخب، يفقد قيمته الفنية والرمزية بمرور الوقت.
المؤلم في القصة أن لا أحد من المسؤولين، حتى الآن، أصدر قرارًا بنقله بشكل مؤقت أو تخصيص مساحة مناسبة له، بل بات خطر الإزاحة أو التلف قائمًا في ظل غياب التنسيق بين الجهات الهندسية والثقافية.

المؤلم في القصة أن لا أحد من المسؤولين، حتى الآن، أصدر قرارًا بنقله بشكل مؤقت أو تخصيص مساحة مناسبة له، بل بات خطر الإزاحة أو التلف قائمًا في ظل غياب التنسيق بين الجهات الهندسية والثقافية.


الأهالي والمهتمون بالشأن الثقافي في بني سويف عبّروا عن استيائهم من هذا الإهمال، مطالبين الجهات المختصة بالتدخل العاجل للحفاظ على التمثال، سواء بنقله إلى مكان يليق بقيمته، أو بإدماجه ضمن التصميم الجديد للكوبري بشكل يحفظ كرامته كأثر فني وتاريخي، لا أن يكون مجرد عقبة إنشائية تُزال مع الوقت.

تمثال “العبور” ليس ملكًا لبني سويف فقط، بل هو جزء من التراث القومي المصري، ومصير الأعمال الفنية الخالدة لا يجب أن يُترك للمصادفة أو الجرافات. فربما أصبح الوقت الآن مناسبًا لتوجيه سؤال جاد إلى المسؤولين: هل نحفظ تاريخنا، أم نمهد فوقه الطرق؟



رغم أن المشروع القومي للبنية التحتية أمر بالغ الأهمية، إلا أن التعامل مع التراث الثقافي والفني بهذا التهاون يكشف غياب التنسيق والتخطيط بين الجهات المنفذة وبين المختصين في الآثار والثقافة والفنون. فهل يعقل أن يُترك تمثال لفنان بقيمة السجيني عرضة للتشويه أو الإزالة، دون حتى لافتة تعريفية تحكي تاريخه أو تحذر من المساس به؟




الاثنين، 5 مايو 2025

كهف وادي السنور ببني سويف. تراث بلوري في باطن الأرض. وكنز طبيعي في قلب بني سويف


 

كتب: أحمد طه وعبدالرؤوف محمد

في قلب الصحراء الشرقية بمحافظة بني سويف، وعلى بُعد كيلومترات قليلة من ضجيج المدن، يوجد أحد أندر كنوز الطبيعة في العالم، كهف وادي السنور، الذي يُعد قطعة نادرة من الجمال الجيولوجي والتراث الطبيعي الفريد.

هذا الكهف، الذي تكوّن عبر ملايين السنين بفعل المياه الجوفية، يضم تكوينات صخرية نادرة من حجر الألباستر البلوري، لا مثيل لها سوى في كهف مشابه بولاية فرجينيا الأمريكية، مما يجعله من أهم المعالم الطبيعية على مستوى العالم، وأيقونة مصرية مهملة رغم قيمتها العلمية والسياحية.

لم يعتبر الجيولوجيون كهف وادي السنور مجرد تجويف في باطن الأرض، بل يعتبرونه سجل جيولوجي حي يحكي قصص الزمن السحيق، وهو فرصة ثمينة لو أُحسن استثمارها لتحول إلى مقصد للسياحة البيئية والتعليمية، بما يعزز من حضور التراث الطبيعي المصري عالميًا، ويفتح آفاقًا جديدة للتنمية المستدامة في صعيد مصر.

يقع الكهف على بعد حوالي 70 كيلومتر شرق مدينة بني سويف، وتم اكتشافه بالصدفة في عام 1992 أثناء عمليات استخراج الرخام، ليصبح منذ ذلك الحين وجهة مهمة للعلماء والمستكشفين على حد سواء.

كهف وادي السنور، المعروف أيضا باسم “كهف الوحوش”، يدهش الزائرين بتكويناته الجيولوجية الرائعة التي تعود إلى أكثر من 40 مليون سنة، جدرانه مزينة بصواعد ونوازل بلورية تأخذ أشكالا مبهرة تتراوح بين الشفافية والصلابة، تشكلت بفعل المياه الجوفية التي تسربت عبر الصخور الكلسية على مر العصور. هذه التكوينات الطبيعية ليست فقط جميلة، بل تحمل أيضا سجل دقيق لتاريخ الأرض يمكن للعلماء دراسته لفهم التحولات المناخية والجيولوجية التي مرت بها المنطقة.

لا تتوقف القيمة الجمالية لكهف وادي السنور عند تكويناته البلورية فقط، بل تمتد إلى الرسوم والنقوش الصخرية التي تزين جدرانه. هذه الرسوم تعكس حياة الإنسان القديم وتفاعله مع البيئة المحيطة، حيث تصور مشاهد الصيد والحيوانات التي كانت تجوب المنطقة، مما يوفر لنا لمحة نادرة عن الحياة البدائية في مصر القديمة.

تحمل جدران الكهف صور لعدد من الوحوش التي كانت جزءا من بيئة الإنسان القديم، ومن هنا جاء اسم “كهف الوحوش”. هذه النقوش ليست مجرد رسومات، بل هي وثائق تاريخية تخبرنا عن أساليب الحياة والتقاليد والثقافة التي سادت قبل آلاف السنين.

بالإضافة إلى ذلك، يُعتبر كهف وادي السنور موطن لأنواع نادرة من الكائنات الحية التي تكيفت مع البيئة القاسية داخله، مما يزيد من أهميته البيئية والعلمية. وتساعد دراسة هذه الكائنات العلماء على فهم كيفية تكيف الحياة مع الظروف القاسية، وتوفر رؤى قيمة حول التنوع البيولوجي والتكيفات البيئية.

هذا الطراز ليس مجرد معلم أثري أو موقع طبيعي، بل هو نافذة مفتوحة عبر الماضي، وجسر يربطنا بالعصور السحيقة. زيارة كهف وادي السنور تجربة تأخذ الزائرين إليه في رحلة عبر الزمن، هذه الزيارة تثري الروح وتشعل الخيال، مما يجعل من هذه الزيارة تجربة فريدة لا تُنسى.

إيهاب محمد مهندس كمبيوتر عاشق تراث مصر يوثق معالمها الأثرية بكاميرا هاتفه

 


فيتشر: أحمد عبد المتعال

رغم أن إيهاب حاصل على بكالوريوس علوم الحاسبات ويعمل في مجال الكمبيوتر والهاردوير إلا إنك حينما تتفحص ألبومات صوره التي يرفعها على حسابة عبر موقع الفيس بوك ستظن من الوهلة الأولى أنه مرشدًا سياحيًا أو يعمل في مجال السياحة أو الآثار، وتظهر صور المناطق التراثية التي يرفعها على مجموعات الفيس بوك المهتمة بالتراث المصري والسياحة مدى حبه وولعه بالمناطق الأثرية المصرية فتعتقد أنه قد تخرج من كلية الآثار أو كلية الآداب قسم التاريخ.

يُسلط إيهاب محمد أنور، 42 عام، الضوء على مواطن جمال المناطق التراثية في مصر، ويقوم بتوثيق التراث الأثري والمعماري الموجود بكل محافظات مصر، من خلال كاميرا هاتفة المحمول والذي صار بمثابة أرشيف للتراث المصري.

اختص إيهاب المتحف المصري الكبير بألبوم مصور مكون من 60 صورة كما أنشا ألبومات أخري للمتحف الفن الإسلامي ومجمع الأديان وشارع المعز ومعبد ابيدوس والمتحف اليوناني الروماني والمتحف القومي للحضارة وقصر الأمير محمد علي ومتاحف قصر عابدين وغيرهم كثير، وتتراوح الصور في هذه الألبومات من 30 صورة وحتى قرابة الـ 200 صورة.

الكثير يصور المناطق الأثرية ولكن قليل منهم من يشعر مثلما يشعر إيهاب حينما يصور صور تُظهر جمال الأثر فيقول: “أنا بكون مبسوط جدا لما صورة الأثر بتطلع كويسه وجميلة زي ما أنا شايفها بعيني كويسة وجميلة ولو الصورة دي ساعدت حد من ال شغالين في مجال السياحة في الترويج لشغله مثلا ببقى مبسوط أكتر لإني قدرت أفيد الناس دي، بصراحة  في كذا حد طلب مني ياخد الصور لشغله سواء شركه سياحه أو دراسة وأنا ساعدتهم وأدتهم الصور عادي لإن هدفي نشر الوعي بالمناطق الأثرية الجميلة الموجودة بمصر.

يقول المهندس إيهاب: “الموضوع ابتدى معايا سنه ٢٠٠٤ لما بدأت أطلع رحلات داخليه لأماكن كتير جوه مصر، في الأول كنت بصور منظر عادي عجبني لكن الموضوع بعد كده أتحول عندي لهواية وبقيت عايز أطلع أحسن ما في المكان بطريقتي وبعد كده لقيت نفسي حابب أفيد الناس بالصور دي وأخليهم يشوفوا قد أيه بلدهم جميله وإن في أماكن كتيرة في مصر رائعة ولازم يزوروها”

وعن الأدوات التي يستخدمها في التصوير يقول إيهاب: “في البداية كنت بصور بكاميرا ديجيتال عاديه وبعد كده كاميرا احترافيه لكن كان بيواجهني مشكلة إن معظم الأماكن بتمنع الدخول بالكاميرا للأسف علشان موضوع السيشن اللي بتحصل حاليا،  فاشتريت موبايل بكاميرا صورها كويسة بحيث أقدر أصور بيها والصور تكون واضحة وجميلة وتقدر تجذب الناس”

ويكمل إيهاب حديثه قائلا: ” أنا بعرض صور المناطق التراثية دب على صفحتي الشخصية وهي متاحه لأي حد أنه يدخل يبص عليها ومؤخرا بقيت بعرض بعض من الصور دي في مجموعات تنشيط السياحة والمهتمة بزيارة الآثار المصرية.

لم ينضم إيهاب للمجموعات المهتمة فقط بالتراث على الفيس بوك بل يقوم بالانضمام لمجموعة أحد أصدقائه المهتمة بتنشيط السياحة ويرجع إيهاب لصديقة هذا الفضل في إنه قام بزيارة معظم الأماكن داخل مصر.

ويضيف إيهاب: “أنا منضم لمجموعات سفر ولمجموعة مهتمة برياضة ركوب الدراجات وبنظم فاعليات تخص الجروب ده وبنزل فيه صور المعالم الأثرية ال بصورها علشان الناس تستفيد وتروح تزور الأماكن دي وبنحاول في الجروب ده  نزور بعض الأماكن الأثرية واحنا بنمارس رياضة ركوب العجل.  

السبت، 3 مايو 2025

“حرفة تموت وصانع يقاوم.. عم صلاح إسكافي يُخيط الصبر بالإبرة والخيط”

 

فيتشر: موسي محمد

وسط زحام الحياة وتسارع التكنولوجيا، يجلس “عم صلاح” على دكّته الخشبية، تحيط به أدواته البسيطة، يمسك بيده قطعة جلد، وينحت بخبرته تفاصيل حذاء كأنما يصنع قطعة من روحه.

ورث صلاح المهنة عن والده، كما ورثها والده عن جده، فصارت جزءًا من كيانه ، ورغم أن الصنعة باتت تُنازع أنفاسها الأخيرة في ظل هيمنة المصانع والمنتجات الجاهزة، لم يبع عم صلاح ولاءه للمهنة التي أحبها، ولا خلع منها انتماءه كما تُخلع الأحذية البالية. لكنه، في المقابل، يدفع ثمن إخلاصه فقرًا وعزلة وتهميشًا، في زمن لم يعد يهتم أحد بمهنته كما يجب.
 نحكي في هذا الفيتشر عن رجل يقاوم الاندثار بإبرة وخيط، ويؤمن أن الحذاء اليدوي ليس مجرد منتج، بل حكاية تُروى بخيوط الصبر والكفاح.

في أحد الحواري القديمة المتفرعة من شارع المعز لدين الله الفاطمي يقبع صلاح دومه في ورشته يعتريه الهم على ورشته وعلى جدرانها المتهالكة وعلى ماضيه المجيد قائلًا “عارف يا ابني إحنا مكنش فيه حد زينا في صنع الأحذية وكان رزقنا كتير لكن من ساعه ما طلعت مصانع الأحذية واحنا بنعاني”.

 منذ أن ولد “دومة” ذو ٥٩ عام، ووالده وجده يعملان في مهنة صناعة الأحذية، ووصف دومه هذا الأمر بعبارة “أنا مش عارف الشغلانه دي هي ال اتبنتني ولا أنا الي اتبنتها، من وأنا عندي 7 سنين وانا معاها على الحلوة والمرة.”


 “أنا عامل زي إلي ابنه بيموت قدامه” عبارة قالها دومة وهو يعبر عن حزنه لما وصل إليه الحال في مهنته ويحكي دومه عن ماضي ورشته وهو يلتفت بنظره في كل أركان الورشة ويضرب بكف على كف  فيقول ” عارف الورشة دي وورشة تانية كنت مأجرها كان في ١٠ صنايعيه شغالين غيري وبيوتهم كلها كانت مفتوحة، لكن دلوقتي كلهم مشوا ومبقاش غيري شغال ومواظب في الورشة لأن الشغل مبقاش زي الأول”.

ويستاء دومة مما حدث لحرفة صناعة الأحذية وألقى اللوم في ذلك على انتشار المصانع وجشع التجار والمستثمرين وغلاء أسعار الخامات، فيقول دومة “النهاردة لو اشتغلنا ب5 آلاف جنية التاجر بيدينا ألف ويقولنا مليش دعوه لما أبيع هبقي أجيبلك الفلوس غير كده كمان القطعة الـ بـ 20ج بياخدوها ب ج17 أو 18ج فمكسبنا بيكون لا يذكر، الصنعة بصراحة كانت أحلى صنعه في الدنيا لكن دلوقتي بعد انتشار مصانع الأحذية بقت أسوء صنعه في الدنيا”

ويرى دومة الذي عمل بهذه المهنة 52 عام أن الدولة مقصرة في حق صناع الأحذية وشبهها بالأم التي ترمي أولادها، وتساءل أين الغرفة التجارية وأين الجمعيات التي تدافع عن صانعي الأحذية، وأكمل حديثة قائلًا: “بقي مفيش مستقبل للمهنة، والحرفة بقت بتموت، والصنايعي بقي يسيب الورشة ويروح يقف في قهوة يرص حجر شيشه أو يروح يسوق توك توك باليومية وهو عنده حق ، زمان الخير كان كتير وكنا بنورد للجمعية وصيدناوي دلوقي مش لاقين نأكل ولا نأكل عيالنا، ومش عارفين نعمل إية؟”



الخميس، 1 مايو 2025

رحلة ( الأسطى محمد ) مدرس الماث لإنقاذ تراث عائلته في مهنة النجارة

 


فيتشر: فارس عز الدين

عكس الكثيرين ممن يمتهنون مهنًا مختلفة عن مهن آبائهم، هناك من يكافح للحفاظ على تراث مهنة والده، ففي نهاية إحدى الأزقة المتفرعة من الحواري الضيقة بشارع المعز لدين الله الفاطمي، تجد “الأسطى محمد” مدرس الرياضيات في الصباح، والنجار بورشة الموبيليا التي ورثها عن والده في المساء.

يخصص الأستاذ محمد عنتر مدرس الرياضيات في الصباح وقتًا لمدرسته، وفي المساء يترك نفسه لإدارة ورشة الموبيليا التي ورثها عن والده؛ ليثبت لنا أنه “صنايعي” مصري أصيل، يفتخر بصنعة والده، ويبلغ قصارى جهده للمحافظة على تراث وتاريخ هذه المهنة.

يجلس الأسطى محمد ومعه ثلاثة رجال يساعدونه في ورشته “ورشة موبيليا الحاج عنتر النجار وأخيه محمد” ورغم أن الورشة قديمة وجدرانها متهالكة إلا أن محمد وزملائه يجعلونها مشتعلة بالعمل، حيث تمتلئ الورشة بأصوات ألواح الخشب وكافة المعدات القديمة والحديثة معًا.

يقول الأسطى محمد: “أنا محمد عنتر سيد مدرس رياضيات، نجار وارث الورشة دي عن والدي الحاج عنتر الله يرحمه، الورشة مفتوحة من سنة 1968 وقتها كان عندي 8 سنوات”.  

ويستكمل الأسطى محمد حديثه: “وُلد والدي عام 1935، وبدأ في مهنة النجارة عام 1948، حينها كان عمره ثلاثة عشر عامًا، عمل والدي وهو في هذا السن مع الخواجات واليونانيين والأرمن، وتعلم منهم الكثير في مهنة النجارة، ويُعد الصبر أهم شيء تعلمه منهم”.

بعيون يملؤها الحنين، يقول الأسطى محمد: “والدي الله يرحمه كان شغال مع الناس اللي بتشتغل في البايوهات، وشغل المكونات النحاس بتاعتها -تنتمي البايوهات إلى طراز الأثاث الكلاسيكي وتشبة الكومدينو وكان يزين بها قصور الملوك والأمراء- وبعدها اشتغل عند الأسطى “حسن الشركشي” اللي كان ماسك تصميم الموبيليات الملكية وموبيليا الفنانين، وصمَم وقتها موبيليا القصور، زي قصر عابدين، وقصر طاهر، وقصر القبة، وأشتغل والدي معاه، وتعلم منه كتير، وتشاركوا العمل في شقة الفنانة مريم منيب والفنان أنور وجدي وفيلا صفاء المهندس، ومن هنا والدي تعلم منه جودة الصنعة، وأنا تعلمت منه أنا وعمي وابن عمي، وتعلمت منه إن الحياة تعاون، وأنا بعامل كل اللي شغالين معايا في الورشة على أنهم إخواتي وكلنا واحد”.

يحكي الأسطى محمد قصة ورشته القديمة قائلًا: “الورشة دي ليها حكاية ومتفتحتش كده في يوم وليلة، الورشة دي موجودة ومحافظين عليها وعلى تراثها القديم، وقصتها هي إن والدي وأخوه كانوا شغالين في إحدى الورش المشهورة في أرض شريف، وهي من أهم الأماكن اللي بتصنع موبيليا في مصر، الكلام ده كان قبل نكسة 1967م، وبعد النكسة كانوا بيشتغلوا في الورشة يوم كامل، ولكن الأجر يبقى يوم إلا ‫14 يعني مثلًا لو والدي بيآخد 80 قرش كان قبضه في الفترة دي 60 قرش، وفي يوم من الأيام النور قطع وعمي كان هو “الكوماند” بتاع الورشة، يعني هو اللي كان بيمشي الشغل، وهو اللي كان بيتصرف في المواقف الصعبة، ففي يوم النور قطع وعمي خد أوامر أنه يوقف الشغل اليوم ده، وجه وقت القبض أبويا لقي القبض نص يوم مش يوم إلا ‫14 زي ما اتفقوا، ومن ساعتها والدي حلف أنه مش هينزل الشغل تاني، فشال البنك بتاعه ومشي من الشغل، ونقله في ورشة صديق ترك له الورشة على سبيل الهدية، ومن بعدها تطور في الشغل واتعامل مع معارض كثيرة واتشهر.

ويضيف الأسطى محمد: “البنك ده يا جماعة متصنع عام 1945 ومعايا مبايعة معمولة ليه سنة 1952 بخمسة جنيه، وحاليًا لا يقدر بثمن؛ لأنه معمول من أجود أنواع الخشب، وصعب الحصول عليها الآن.”

ويعتبر الأسطى محمد نفسه من الجيل الثاني في مهنة النجارة، حيث يرى أن والده وعمه هما الجيل الأول، ورغم أنه يعمل مدرس رياضيات أو ماث (Math) في إحدى مدراس اللغات إلا أنه لا يستطيع أن يستغنى عن المهنة التي ورثها عن والده؛ لأنه يراه الإرث الحقيقي الذي تركه له والده قبل الوفاة.

وأكمل الأسطى محمد كلامه: “حقيقي أنا بعتز بورشة والدي وبفتخر إني ورثت مهنته من بعده؛ لأني بحبها ومتعلق بيها، فرغم إني مدرس رياضيات وليس لي حاجة ملحة للاستمرار في مهنة والدي، إلا إن شغفي وحبي للمهنة وإصراري على استكمال المسيرة جعلني أطور من المهنة، مضيفًا: “إحنا بدأنا نطور في التصنيع، زمان كنا بنشتغل بالأبلكاش والخشب الكبس، ودلوقتي بقى بنستخدمه قليل جدًا؛ لإن محدش بقى يستخدمه؛ لأنه بيضيع وقت، وكمان إحنا غيرنا نوع العدة الـلي بنستخدمها وطورناها، وده سعيًا للحفاظ عليها في ظل التقدم التكنولوجي الحديث”.

 وعن عدة والده يقول الأسطى محمد مشيرًا إليها بأصابعه: “دي عدة والدي الله يرحمه، وفي أجزاء منها مازلنا نستخدمها حتى الآن، ومنقدرش نفرط فيها أبدًا زي (الشاكوش) وهو ألماني الصنع، و(الفارة) اللي أنا كنت بتعلم بيها وأنا طفل، و(الشنيور) القديم اليدوي اللي بنخرم بيه، و(الجايون) اللي بيستخدم في أنه بيعمل المقاسات اللي بنشتغل عليها، و(الرابوع) المعمول من خشب السنديان… إلخ.


وعن التطور الذي حدث في الأدوات و”عدة” النجارة يقول الأسطى محمد: “الخامات كلها دلوقتي بقت متطورة، زي الزان الأحمر، والخشب الكونتر اللي يُعتبر من أعلى الخامات، وبيتم تقطيعه على مقطع، والصينية بتطلع الزاوية حسب الرغبة، ومن ضمن التطوير إن مفيش حد دلوقتي بقا يدق مسمار بشكل يدوي وبقى الشغل “بالكومبريسور”.