السبت، 3 مايو 2025

“حرفة تموت وصانع يقاوم.. عم صلاح إسكافي يُخيط الصبر بالإبرة والخيط”

 

فيتشر: موسي محمد

وسط زحام الحياة وتسارع التكنولوجيا، يجلس “عم صلاح” على دكّته الخشبية، تحيط به أدواته البسيطة، يمسك بيده قطعة جلد، وينحت بخبرته تفاصيل حذاء كأنما يصنع قطعة من روحه.

ورث صلاح المهنة عن والده، كما ورثها والده عن جده، فصارت جزءًا من كيانه ، ورغم أن الصنعة باتت تُنازع أنفاسها الأخيرة في ظل هيمنة المصانع والمنتجات الجاهزة، لم يبع عم صلاح ولاءه للمهنة التي أحبها، ولا خلع منها انتماءه كما تُخلع الأحذية البالية. لكنه، في المقابل، يدفع ثمن إخلاصه فقرًا وعزلة وتهميشًا، في زمن لم يعد يهتم أحد بمهنته كما يجب.
 نحكي في هذا الفيتشر عن رجل يقاوم الاندثار بإبرة وخيط، ويؤمن أن الحذاء اليدوي ليس مجرد منتج، بل حكاية تُروى بخيوط الصبر والكفاح.

في أحد الحواري القديمة المتفرعة من شارع المعز لدين الله الفاطمي يقبع صلاح دومه في ورشته يعتريه الهم على ورشته وعلى جدرانها المتهالكة وعلى ماضيه المجيد قائلًا “عارف يا ابني إحنا مكنش فيه حد زينا في صنع الأحذية وكان رزقنا كتير لكن من ساعه ما طلعت مصانع الأحذية واحنا بنعاني”.

 منذ أن ولد “دومة” ذو ٥٩ عام، ووالده وجده يعملان في مهنة صناعة الأحذية، ووصف دومه هذا الأمر بعبارة “أنا مش عارف الشغلانه دي هي ال اتبنتني ولا أنا الي اتبنتها، من وأنا عندي 7 سنين وانا معاها على الحلوة والمرة.”


 “أنا عامل زي إلي ابنه بيموت قدامه” عبارة قالها دومة وهو يعبر عن حزنه لما وصل إليه الحال في مهنته ويحكي دومه عن ماضي ورشته وهو يلتفت بنظره في كل أركان الورشة ويضرب بكف على كف  فيقول ” عارف الورشة دي وورشة تانية كنت مأجرها كان في ١٠ صنايعيه شغالين غيري وبيوتهم كلها كانت مفتوحة، لكن دلوقتي كلهم مشوا ومبقاش غيري شغال ومواظب في الورشة لأن الشغل مبقاش زي الأول”.

ويستاء دومة مما حدث لحرفة صناعة الأحذية وألقى اللوم في ذلك على انتشار المصانع وجشع التجار والمستثمرين وغلاء أسعار الخامات، فيقول دومة “النهاردة لو اشتغلنا ب5 آلاف جنية التاجر بيدينا ألف ويقولنا مليش دعوه لما أبيع هبقي أجيبلك الفلوس غير كده كمان القطعة الـ بـ 20ج بياخدوها ب ج17 أو 18ج فمكسبنا بيكون لا يذكر، الصنعة بصراحة كانت أحلى صنعه في الدنيا لكن دلوقتي بعد انتشار مصانع الأحذية بقت أسوء صنعه في الدنيا”

ويرى دومة الذي عمل بهذه المهنة 52 عام أن الدولة مقصرة في حق صناع الأحذية وشبهها بالأم التي ترمي أولادها، وتساءل أين الغرفة التجارية وأين الجمعيات التي تدافع عن صانعي الأحذية، وأكمل حديثة قائلًا: “بقي مفيش مستقبل للمهنة، والحرفة بقت بتموت، والصنايعي بقي يسيب الورشة ويروح يقف في قهوة يرص حجر شيشه أو يروح يسوق توك توك باليومية وهو عنده حق ، زمان الخير كان كتير وكنا بنورد للجمعية وصيدناوي دلوقي مش لاقين نأكل ولا نأكل عيالنا، ومش عارفين نعمل إية؟”



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق