من الممكن التخلي عن مقومات الحياة ولكن عن التراث مستحيل
حوار: موسى محمد
من بين النماذج المصرية التي سعت للحفاظ على تراثنا وهويتنا المصرية يبرز اسم المهندس “عماد فريد” الاستشاري المعماري المتخصص في العمارة التراثية والبيئية.
حصل المهندس “عماد فريد” على جائزة الدولة التشجيعية مرتين، مرة عن بناء فندق بيئي في سيوة، والأخرى عن ترميم الجامع العتيق في واحة سيوة، كما حصل على جائزة مكتبة الإسكندرية عام ٢٠١٠ عن إعادة استخدام بعض المباني المهدمة بجوار المنطقة الأثرية الموجودة في “قلعة شاري” بسيوة.
فقرر «موقع موروث» إجراء حوار معه؛ لأنه من المهندسين المخضرمين من لهم تاريخ كبير في مجال العمارة التراثية والترميم؛ لنستخلص من خبراته وتجاربه ونصائحه التي تساهم في تشجيع شباب المهندسين على الاهتمام بتراثهم المصري والحفاظ عليه.
س1 حدثنا عن طبيعة عملك في مجال الترميم والعمارة التراثية والبيئية؟
أقوم بأعمال كثيرة تحمل الطابعي التراثي والبيئي، كما أقوم بترميم بعض العمارات القديمة الموجودة في وسط القاهرة وفنادق أيضًا خارج مصر في الدول العربية الشقيقة، وجميعها تعكس الطابع المحلي، ونستخدم فيها الخامات والعمارة المحلية، ويُعتبر تمرين العمال التقليديين على المهن القديمة الخاصة بهم جزءًا من عملي، فمنهم ذوو خبرة، ومنهم من ليست لديه الخبرة، لكن في النهاية أقوم بتأهيل جيل جديد من البنائين والعمال المهرة في العمارة التقليدية، والتي نطلق عليها اسمًا جميلًا آخرً وهو العمارة الإنسانية؛ لأنها تعبر عن الإنسان ومكوناته ومشاعره، وهذا هو طبيعة تخصصي.
س2 من وجهه نظرك ما أهم أعمالك في مجال الترميم والعمارة التراثية والبيئية؟
من أهم الأعمال التي قمت بها، هو ترميم قرية قديمة يرجع عمرها لأكثر من 1300 سنة، كان يسكنها أهالي سيوة القدامى، تُسمي (شاري)، وتعني باللغة الأمازيغية “المدينة”، وهذه القرية كانت مبنية بمادة غريبة تُسمي “كرشيف”، وهذه المادة أهم ما يميز واحة سيوة، وهي عبارة عن حجر ملحي مخلوط بالطين الطفلي، فنحن قمنا بتحويل وترميم هذه القرية بالخامات القديمة نفسها المستخدمة إلى قرية سياحية مشهورة على مستوى العالم يزورها كثير من زعماء العالم، وحاولنا قدر المستطاع أن نرمم القرية ونعيد شوارعها القديمة ونحافظ عليها من الاندثار، ومن كثرة ارتباطي بهذه القرية عندما سنحت لي فرصة إنشاء جدار درامي في مسلسل “واحة الغروب”، والذي دارت أحداثه منذ 150 سنة، وكانت تتطلب مشاهده حينها إنشاء هذه المدينة قبل انهيارها، فقمنا ببنائها بالشكل والأسلوب ونوع الحجر نفسه مرة أخرى، ولكن كان ذلك في الصحراء بجوار الهرم.
س3 ما آخر أعمالك التي قمت بها في مجال الترميم والعمارة التراثية والبيئية؟
آخر عمل قمت به كان ترميم عمارة الجمعية اليونانية القاطنة في تقاطع شارع عبدالخالق ثروت مع سليمان باشا الموجودة بقصر النيل في القاهرة، قمنا بإزالة جميع التشوهات المعمارية والزخارف الموجودة على الواجهات، واسترجعنا الصور القديمة للمكان، وتم إعادته كما كان في وقت إنشاءه، وتم التواصل حينها مع أصحاب المحلات أسفل العمارة، وتم إلزامهم بإزالة “اليفط” المسيئة ذات الألوان غير المتناسقة مع بعضها ومع طراز العمارة، والتي كانت تُخفي شكل وجمال العمارة.
س4 من وجهة نظرك هل الدولة تقوم بدور فعال في الحفاظ على التراث والمباني التراثية؟
الدولة بالطبع تُولي اهتمامًا كبيرًا لهذا الموضوع، لدرجة أنها أنشأت الجهاز القومي للتنسيق الحضاري التابع لوزارة الثقافة، وبحكم القانون فاختصاص هذا الجهاز هو تسجيل المباني التي تستحق أن تُسجل في التراث المصري بمختلف العصور، كما يختص الجهاز بمنح التراخيص المدنية للبناء، فلو رغب أحد المواطنين في بناء بيتِ أو إدخال إحدى التعديلات عليه -هذا بخصوص الأماكن المحيطة بالمناطق الأثرية- فلابد من أن يأخذ موافقة من جهاز التنسيق الحضاري قبل البدء في ذلك، وفيما يتعلق بالمناطق الأثرية والمنازل المدنية التي قد تكون مسجلة أثرية وتكون لها ملكية خاصة، فهي تحت إشراف وزارة الآثار بمختلف قطاعاتها، ومن ثم فحينما يريد مالكها أن يتداخل في ملكيتها، فلابد أن يأخذ موافقة صريحة وواضحة من وزارة الآثار؛ كي تُشرف عليه أثناء الأعمال.
س 5 كيف تري التراث المصري؟
التراث المصري ليس للترفيه، وليس فقط فولكلور، وهو غير مخصص للاحتفالات والمعارض، لكنه أسلوب حياة، ولولا هذا التراث لانتهت الحياة في مصر منذ وقت طويل؛ لأن لدينا تراث في البناء والزراعة والأكل لم نتخلَ عنه، فمن الممكن أن نتخلى عن مقومات الحياة، ولكن عن التراث مستحيل، التراث المصري لا يعني أنه قديم، فهناك أيضًا تراث حديث، فالتراث صالح لأن يكون مادة للحياة الحديثة، وخير دليل على ذلك البنك الذي تم بناؤه في سيوة بالمواد القديمة، مثل: الطين، والخشب، يتوفر فيه كل مقومات البنك الحديث، وهذا يوضح أن هذا النوع من البناء كان صالحًا أكثر في هذه المناطق، فالتراث هو الخيط السري الذي يحافظ على جودة الحياة وجمالها ورونقها على مر العصور.
س 6 من خلال عملك أخبرنا ما أهم ملحوظة لاحظتها عن مصر؟
مصر بلد ضخمة أثريًا، فنجد فيها الآثار من جميع العصور، الفرعوني، والقبطي، والإسلامي، والعصر الحديث، وهذه الآثار ليست قليلة أو محدودة، بل هي منتشرة في كل محافظات مصر من أول جنوب سيناء مرورًا بشمالها، حتى أسوان أقصى الجنوب، كما يوجد بالوادي الجديد كم كبير يصل إلى الآلاف من المباني المسجلة كمباني أثرية، أو المسجلة بأنها ذات طبيعة خاصة مثل التي توجد بهيئة التنسيق الحضاري.
س 7 هل ترى وجود علاقة بين الفن المعماري المصري القديم في العصور المختلفة التي مرت على مصر؟
بالطبع هناك علاقة بين الفن المعماري المصري القديم في العصور المختلفة التي مرت على مصر، وهذا شيء طبيعي؛ لأن مصر لديها زخم حضاري كبير، والحياة في مصر مستمرة ولم تنقطع منذ بدايتها، ولذلك يجب علينا الحفاظ على الهوية المصرية للحفاظ على ينابيع الحضارة؛ لأن الحضارة التي نمتلكها كانت نابعة من المهارة الموجودة لدى المصريين وما زالت مستمرة حتى الآن.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق