‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 6 مايو 2025

ماجد الراهب يكتب لموروث .. العمارة وتطورها في الدولة القديمة

 

مقال : ماجد الراهب

كانت مصر تمتلك، منذ أقدم العصور الجيولوجية، المقومات البيئية الطبيعية والعناصر الضرورية لتأسيس حضارة محلية عريقة، وهذه العناصر البيئية قد أثرت بدورها في أقدم السلالات البشرية التي استقرت على أرض مصر، كما أثرت في نشأة الحضارة المصرية القديمة وساهمت في نموها بفضل مجهودات الإنسان المصري القديم.

العوامل الجغرافية

لقد كانت علاقة الإنسان ببيئته الجغرافية ذات تأثير متبادل، كما وجد الإنسان مصادر أخرى استغلها لنفعه واستقراره وبناء حضارته مثل المنخفضات التي تحولت لبحيرات. وقد تمتعت مصر بموقع جغرافي متميز حيث تقع بين ملتقى قارات العالم الثلاث مما يسهل لها عمليات الاتصال الخارجي.

إذ تقع في أقصى الشمال الشرقي للقارة الأفريقية وتبلغ مساحتها 3% من مساحة أفريقيا، ولهذا تعتبر مصر جزءًا هامًا في منطقة نشوء حضارات الشرق القديم وبغض النظر عن الترتيب الزمني، كما تحكَّم موقعُها في مواصلات الشرق والغرب مما ساعد على قيام علاقات تجارية مع البلاد المجاورة وبذلك نجد التشابه الكبير في العمارة داخل مصر والبلاد المجاورة لها؛ وخاصة التخطيط المعماري للمساكن والتصميمات الزخرفية المتنوعة والطوب اللبن والبناء على تلال صناعية مرتفعة والعمل على إقامة السدود والقناطر على امتداد مجرى النيل للاستفادة من مياه فيضانه، مما زاد من رقعة الأرض الزراعية وكان من أسباب التوحيد .

العامل الجيولوجي

المصادر والموارد الطبيعية لكل إقليم تحدد سمات الطابع المعماري له؛ فلقد كانت مصر غنية بأحجارها الجيرية والرملية وأيضًا الألبستر والجرانيت والمستخدم بجانب العمائر في التحف الزخرفية، فبالرغم من أن مصر فقيرة في المعادن الأولية، إلا أن وفرة الأحجار المختلفة فيها قد ساعد في تشييد المعابد الضخمة والمقابر ذات الغرف العديدة وإقامة التماثيل الكبيرة، كما استُخدم الجرانيت الأحمر الخشن في صناعة التماثيل الضخمة.

العامل المناخي

لقد استطاع المصري أن يُكيِّف مبانيه بحيث تتواءم مع طبيعة العوامل المناخية السائدة في البلاد؛ فحينما كانت مصر تتميز بوفرة أمطارها خلال عصر ما قبل الأسرات استخدم المصري القديمة الأسقف المائلة التي نرى صداها بحجرات الدفن الملكية بالأهرامات، خاصةً خلال الدولة القديمة. ولقد شهدت الأرض في زمن البلايستوسين أربعة أزمنة مختلفة من الزحف الجليدي على المناطق الشمالية من الكرة الأرضية من ناحية وأربع فترات من الأمطار الغزيرة على النواحي الجنوبية من ناحية أخرى، ومن هنا فلقد وقعت منطقة نشوء الحضارة في مكان وسط بين الزحف الجليدي من الشمال والأمطار من الجنوب مما جعلها تتميز بمناخ معتدل نسبيًا ومن ثم لا تعوق حرية التحرك والانتقال، وكل هذا أدى إلى أن تكون واجهات المعابد غير مخرمة أو مثقوبة بفتحات، مما أضفى قدرًا من الظلمة التي أعطت إحساسًا بالرهبة المطلوبة في المعبد من الناحية الدينية، ولعدم توافر أمطار غزيرة؛ أصبحت الأسقف أفقية دون ميول بل كان يُكتفى باستخدام أسقف سميكة من الحجر تكون عازلة لحرارة الشمس ومياه الأمطار من الشرب، وهنا نلاحظ تكامل في عناصر البيئة المصرية من حيث:

  • توافر المناخ الصالح للإنبات والنمو والحصاد.
  • توافر التربة الخصبة والطمي الغني الذي تجلبه مياه الفيضان.
  • وفرة المياه في كل الأوقات من العام؛ سواءً مياه النيل أو توافر الأمطار الشتوية.
  • وفرة المواد المختلفة اللازمة للإبداع الفني والعناصر المعمارية المختلفة.

العامل الديني

لا يوجد في تاريخ العالم أمه تأصلت فيها الديانة وامتزجت بمياه أهلها مثل مصر، ومن هنا فلقد لعبت التأثيرات الدينية دورها في نشاط العمارة حيث دفعت المصريين إلى الاهتمام بتشييد دور العبادة والعناية بعمارة المقابر باعتبارها بيوتًا خالدة، في حين بُنيت القصور والمساكن من الطوب الني والمحروق باعتبارها بيوت للدنيا الزائلة وان كانوا قد اعتنوا بزخرفة أسقفها وأعلى جدرانها وأحيانًا أرضيتها بما يبعث روح البهجة عليها.

العوامل الاجتماعية

لا يوجد مصادر أساسية يرجع إليها أفضل في معرفتنا بالحياة الاجتماعية أكثر مما نراه محفوظًا من الكتابات والرسوم المدونة على جدران العمائر الفرعونية وكذلك ما جاء في أوراق البردي التي عُثر عليها، ولعل من أجمل الرسوم التي عثر عليها في بعض المقابر القديمة في طيبة وسقارة ما يمثل المصريون في أعمالهم اليومية في الرياضة وفي الصيد وعملهم في الحقل وفي صناعاتهم، وقد كانت صناعات الحرف اليدوية مزدهرة -آنذاك- كالنسيج وصناعة الزجاج والخزف والمعادن وصياغة المجوهرات والأثاث. كما كان لازدهار تلك الصناعات أكبر الأثر في رخاء حياة المصريين بين الأمم وشعوب الأرض، ولعل ما هو موجود في المتحف المصري وفي متاحف العالم المشهورة أكبر دليل على ذلك، ولقد كان هذا التطور دليل على مدى التطور في العمارة.

العامل التاريخي

إن الأحداث التاريخية والأوضاع السياسية كان لها شديد الأثر على النشاط المعماري، كذلك فقد أثرت الأوضاع الخارجية على العمارة في مصر؛ فنلاحظ خلال عصر الدولة القديمة أن البلاد قد شهدت تطورًا معماريًا هائلًا حتى أنه أُطلق على هذه الفترة عصر بناة الأهرام؛ وذلك نظرًا لتشييد أهرام الجيزة الثلاثة، كما نلاحظ أن البلاد خلال هذه الفترة كانت تتمتع بالاستقرار السياسي داخليًا وخارجيًا مما انعكس على خزانة الدولة بالقوة والثراء. وفي عصر الهكسوس شهدت البلاد ركودًا تامًا في مختلف المجالات ومن بينها العمارة، أما في عصر الدولة الحديثة فلقد شهدت البلاد أعظم فترة عرفتها العمارة المصرية القديمة وذلك بعد أن تم طرد الهكسوس من مصر وأصبحت طيبة عاصمةً لها، وزاد الرخاء والازدهار. وبالتوازي مع ازدهار النشاط الخارجي، فقد عمل الملوك على تشجيع إقامة المباني والمنشآت المعمارية.

العوامل التي أثرت على العمارة المصرية القديمة

تكنولوجيا علم البناء

لقد كشفت بحوث الآثار التي امتدت جذورها إلى عصر ما قبل الأسرات أن المصرين القدماء كان لهم الفضل في وضع مثلث تكنولوجيا علم البناء للعالم أجمع، ذلك المثلث الذي تتكون أضلاعه من:

أ. وحدة البناء: وهو قالب الطوب الذي ابتكره المهندس المصري القديم منذ ثمانية آلاف سنة، وأعطاه اسمه (توبتي) وحدد شكله ونسب أبعاده التي احتفظ بها العالم إلى اليوم .

ب. وحدة القياس: ابتداءً من الوحدة الهرمية للذراع المعماري وغيره من وحدات القياس وتقسيمتها العشرية والمئوية واستعمالها في حساب الأبعاد والمسطحات والفراغ، مع ما ارتبط بذلك من نظريات حسابية ورياضية وهندسية بجانب اختراع الأرقام التي حددت بها وحدات القياس وعلوم الرياضيات والهندسة التي وضعت نظريات في العمارة وعلوم الإنشاء، بالإضافة إلى ابتكار وحدات قياس الزمن ابتداءً من السنة الثانية وتقسيماتها التي نقلها عنه العالم أجمع ولم يحاول تغييرها إلى اليوم.

جـ. وحدة التشكيل: ابتداءً من الخط المستقيم بمختلف الزوايا والدوائر والمنحنيات وتشكيلاتها الهندسية وما ارتبط بها من علوم حساب المثلثات والهندسة الوصفية والعلوم التشكيلية.

أهم مميزات العمارة المصرية القديمة

 تتميز العمارة المصرية في أقدم عهودها بالبساطة والضخامة والعظمة التي تُشعِر بالقوة والاستقرار وتتجلى روح البساطة هذه في أهرامات الجيزة وهرم سقارة المدرج ومعبد أبو الهول، على أن هذه البساطة كانت مقرونة بالجمال والانسجام كما كانت مقرونة بعلمٍ واسعٍ بهندسة البناء وحساب الضغط ومقاومة الأجسام وغير ذلك من أحوال العمارة، حيث اعتمد المصريون اتجاهًا جديدًا وهو الاتجاه إلى تذوق الطبيعة والتأثر بعناصر الحياة والحركة، ولنا أن نلمس ذلك الاتجاه الجديد في مبانيهم وتماثيلهم، والإضاءة الطبيعية للمعابد وذلك عن طريق جعل الأعمدة الوسطى أعلي كثيرًا من الأعمدة الجانبية، وكان من نتيجة ذلك أن السقف عند الجانبين يكون أكثر انخفاضًا عنه في الوسط وبذلك يدخل الضوء من خلال الفتحات الجانبية، وهذا الضوء يكون شديد السطوع عند الفتحات ثم ينتشر في باقي أجزاء المعبد، بالإضافة إلى زيادة سُمك الحوائط الخارجية وميلها للداخل من أعلى حيث كانت الحوائط تُبنى بسُمك يقل في العرض كلما ارتفع البناء بحيث يبقي سطح الحائط من الداخل عموديًا ويصبح السطح الخارجي مائلًا؛ مما يُزيد من قوة الحائط وثباته، وهذه هي أهم نظرية لمقاومة الزلالزل ومقاومة الأحمال وقد تمسك المصريون القدماء بطريقة زيادة سُمك الحوائط الخارجية وميلها للداخل من أعلى وأصبحت علامة مميزة للعمارة الفرعونية، كل ذلك مع استعمال الأشكال الهندسية المتجاورة أو المتداخلة فيصبح المبنى منظمًا تنظيمًا سليمًا وتنتشر أجزاء المبنى يمينا ويسارًا للداخل، وبتعدُّد هذه الأجزاء والوحدات واتساعها تتحدد مساحة المبنى أو المعبد.

أولًا: العمارة الجنائزية

كان هناك نوعان من العمارة: الأولى عمارة الخلود والتي تخدم العقائد والمعتقدات وتتمثل في المقابر والمصاطب والأهرامات والمعابد التي أطلق عليها القدماء المصريين أنفسهم اسم “عمارة العالم الآخر”. ولقد اهتم المصري القديم باستعمال الأحجار في المباني الخاصة بالعالم الآخر منذ بداية عصر الأسرة الأولى، فنلاحظ أنه في إحدى مقابر أبيدوس تم إعداد الأرضية من كتلٍ ضخمة من الجرانيت سُويت ورُبِّعت قليلًا حتى تلائم الفراغ، علي أن أول استعمال فعلي للحجر في البناء لم يتم إلا في الأسرة الثانية وفي الأسرة الثالثة، ثم تزايد هذا الاستخدام عند إقامة المجموعة الهرمية كاملةً من الحجر في عهد الملك زوسر، ولقد بدأت المقابر في بداية الأسرة خلال عصر الأسرتين الأولي والثانية في هيئة مصطبة تضيق كلما اتجهنا لأعلى، ثم تطورت فيما بعد إلى ذلك الشكل الهرمي المدرج (المصطبة المدرجة) في عهد الأسرة الثالثة من حكم الملك زوسر والتي كانت عبارة عن سبع مدرجات تعلو بعضها البعض، ومع بداية عصر الأسرة الرابعة شهد مجال العمارة تطورًا كبيرًا وخاصة العمارة الدينية؛ فنلاحظ اكتمال الشكل الهرمي ويتضح ذلك من خلال أهرامات الجيزة الثلاثة، وقد استمرت تلك الأشكال الهرمية أيضًا في عصر الدولة الوسطى، ثم جاءت مقابر عصر الدولة الحديثة والتي تميزت بالعديد من الملامح الفنية الجديدة، وتمثلت في الآتي :

أـ التخلي عن الشكل الهرمي للمقبرة: وهي برغم ضخامة وتأمين ممراتها وحجراتها الداخلية، إلا أنها كانت ظاهرة أمام من تسول لهم أنفسهم العبث بمقابر الأسلاف، فعبثوا ما شاء لهم العبث .

ب. اختيار موقع جبلي موحش بعيدًا عن كل مظاهر الحياة .

جـ. الفصل ما بين المقبرة والمعبد: حيث أن الربط يحدد موقع المقبرة، ومن ثم يُسهل الأمر على اللصوص، ولهذا اختير أن تُقام لهم مقابر في الصخور في غرب طيبة بوداي الملوك .

ثانيًا: العمارة المدنية

كانت المساكن تُشيَّد من الطين وأغصان الأشجار، ثم من الطوب اللبن بعد ذلك، ولدينا مثال واضح من الأسرة الثانية عشر فى منطقة اللاهون، والتي كان يحيط بها سور سميك وكانت مقسمة لأحياء تفصل بين بيوتها شوارع ضيقة.

أهم العناصر المعمارية في العمارة المصرية

الأعمدة: وقد تم إقامتها في بادئ الأمر من قوائم بوص أو جريد مربوطة عرضيًا بأعواد نباتية وقد مُلئت الفراغات كما صُنعت لها طبقة من الخارج بمادة الطين ثم أستبُدلت بعد ذلك بالأحجار، والأسقف: وقد استعملت في المباني لحمايتها من الداخل من عوامل الطبيعة الخارجية كالشمس والمطر أو بناء طوابق فوقها، وعلى هذا فقد استعمل المصري جذوع النخل في التسقيف في بعض الحالات التي فوقها أحمال واستعمل البوص أو الجريد في الأحوال التي لا يلزم وضع أحمال فوقها فوضع البوص في اتجاهين متعامدين لتغطية الغرف كما كساها المصري القديم بطبقة من الطين، ويمكن أن نقارن هذه الطريقة بأسقف الخرسانة المسلحة في التسليح الطولي والعرضي أو ما يسمى “الفرش والغطاء”، وهناك الحوائط: وقد كان المصري القديم، بل وما زال المصري، يستعمل في بعض الأحيان لبناء الحوائط -وخاصةً الأسوار- قوائم من الجريد أو البوص ممسوكة بعوارض من نفس المادة كما تُصنع لها طبقة من الطين، وهي المرحلة التي ظهر بعدها البناء الحجري.

المهندسون المصريون: وظائفهم وأعلامهم

لقد لعب المهندسون دورًا هامًا في التشييد بالحجر وتجهيز القصور والمنازل واكتشاف الأعمدة بطرزها المختلفة التي انتقلت فيما بعد إلي أوروبا لتصبح نواة العمارة اليونانية الرومانية، كما أنهم قدموا لنا شكلًا ثابتًا لقالب الطوب وقياساته، والذي يستخدمه العالم حتى الآن، كما قدموا الأسس الأولية لأساليب الإنشاء الجاهز وسابق التجهيز، حيث ظهرت نماذج الأبواب والنوافذ والوحدات الجاهزة للأعتاب وممرات الأسقف وبلاطات الأرضيات. ولعل من أشهر هؤلاء المهندسين “أيمحتب” الذي عاش في عصر الدولة القديمة، و “سنموت” خلال عصر الدولة الحديثة.

أيمحتب

لقد أرتبط اسم “أيمحتب” بمجموعة الملك زوسر في الدولة القديمة خلال عصر الأسرة الثالثة، فلقد تمت في عهد هذا الملك، وفي إطار تشييده للهرم، ثلاث محاولات كبيرة في تشييد المقابر، وأحدث تغيرًا جذريًا في فن العمارة يتمثل في استخدام الحجر على نطاق واسع وهو ما لم يكن معهودًا من قبل؛ حيث كان الطوب اللبن هو مادة البناء الأساسية، كما مثلت هذه التجربة بداية اتخاذ المقبرة للشكل الهرمي، حيث انتقل “أيمحتب” بجزئها العلوي من شكل المصطبة “المستطيبة” إلى هيئة الهرم المدرج.

سنموت

من أعظم فترات مصر من حيث السلام والرخاء الاقتصادي والهدوء السياسي والديني هي فترة حكم الملكة “حتشبسوت” والتي أصبحت فيها هي المتحكمة الأولى والمسيطرة على مقاليد الحكم بمساعدة بعض الموظفين والكهنة الذين كانوا يريدون مزيدًا من الألقاب والامتيازات والثراء المادي، ومن الذين ساعدوها في هذه الأمور النبيل “سنموت” الذي كان على رأس رجال دولتها وموظفيها، وقد كانت من أهم التطورات التي أحدثها “سنموت”؛ بناؤه معبد الملكة “حتشبسوت” كمعبد فريدٍ في طرازه؛ إذ تم بناؤه بطريقة المدرجات، فكان يحتوي على ثلاثة مدرجات يعلو كل منهم الآخر، وهو يعتبر المعبد المصري الوحيد الذي اتخذ هذا الطراز المعماري الفريد.

الأحد، 4 مايو 2025

ماجد الراهب يكتب لموروث .. زاوية الأموات بانوراما للحياة




 

مقال : ماجد الراهب

“زاوية الأموات” أو “زاوية سلطان” هى مدينة هامة فى محافظة المنيا وتقع في الناحية الشرقية من جنوب مدينة المنيا، وتبعد حوالي عشرة كليومترات عن مدينة المنيا شرق النيل، كما تبعد عن “بني حسن” أيضًا حوالي عشرة كليومترات، أُطلق عليها اسم زاوية سلطان نسبة لسلطان باشا والد هدى شعراوي، وهي مدينة يمتد بها التاريخ قديمًا حيث كانت عاصمة للإقليم السادس عشر من إقليم الصعيد، وكان يُرمز له بحيوان “الوعل” وهو أحد فصائل الغزال في زمن الأسرة الثالثة.

وسميت المنطقة أيضًا باسم “الكوم الأحمر” نتيجةً لوجود عدد كبير من أكوام الفخار والتي ترجع إلى العصور الفرعونية واليونانية الرومانية والقبطية، ويطلق عليها أيضًا “حبنو” من الكلمة القديمة “حبن” ومعناها يطعن حيث أن حورس، وهو المعبود لهذه المنطقة، طعن “ست” إله الشر انتقامًا لأبيه أوزوريس، وتنفرد هذه البقعة الهامة بأنها تضم مقابر ومدافن من كافة العصور حتى وقتنا هذا، ولذلك سُميت بزاوية الأموات؛ فهي تضم مقبرة “نفر سخرو” من عصر الدولة الحديثة، وتحديدًا الأسرة التاسعة عشر، وهى عبارة عن مقصورة ومدخل إلى صالة تفتح على الهيكل بمدخل ثلاثي بعمودين وكتفين ثم حجرة الدفن، ويوجد بها بقايا هرم منعت خوفو أو “مرضعة خوفو” الذي أقامه الملك خوفو تكريمًا لمرضعته وهو يعتبر من أقدم الأهرامات الموجودة فى مصر، وقد كانت مدينة بنى حسن تسمى في وقتها منعت خوفو.

وهناك أيضًا معبد من عصر الرعامسة، وتوجد بقايا له عبارة عن سلم حجري يقود إلى صالة تقديم القرابين، وفي العصر القبطي؛ عُرف باسم “تيموني” وهي كلمة قبطية تعنى الدير. وقد وانتشر بهذه المنطقة مجموعة أديرة أهمها دير “أباهور” بمنطقة “دير سوادة”، كما توجد كنيسة أثرية منحوته في الجبل كانت قبلًا معبدًا رومانيًا، وتوجد في شمالها جبانة قبطية وشواهد قبور لمدافن رهبانية وكنيسة من خورس واحد منحوت في الصخر، وقد أقيمت هذه التجمعات في المناطق التي يبتعد فيها الجبل عن النهر.

التخطيط المعماري للمقابر الإسلامية بزاوية الأموات

يشمل التخطيط المعماري للمقابر الإسلامية بزاوية الأموات نمطين، يضم كل منهما عددًا من النماذج، وقد تم تحديد تخطيط المقابر تبعًا لهذين النمطين، وقد تنوعت ما بين القبة المفردة، والمزدوجة حيث تنقسم إلى قسمين بينهما عقد، والثلاثية التي تمثل رواقًا أو بلاطة مستعرضة تحمل ثلاث قباب حيث تنقسم إلى ثلاثة أقسام بينها عقدان، ويتكون النمط الأول من ثلاثة نماذج: الأول المقبرة ذات الأربعة مداخل، والثاني المقبرة ذات الثلاثة مداخل وبالجنوب الشرقي حنية المحراب، والثالث المقبرة ذات مدخل واحد على محور المحراب، كذلك يضم النمط الثاني ثلاثة نماذج يتميز الأول بالمدخل المربع الذي تعلوه القبة، ويتميز الثاني بوجود المحراب مع ثلاثة مداخل، ويتميز النموذج الثالث بوجود مدخل واحد على محور المحراب، ويتقدم المقبرة فناء في الشمال الغربي.

إذن العنصر الرئيسي بمقابر زاوية الأموات يقوم على القبة والتي انتشرت في العصر الفاطمي بشكل كبير، بالعمارة الإسلامية والقبطية على السواء، وسنجد أن هذه الوحدة سوف تتطور من القبة المفردة، إلى القبة المزدوجة والثلاثية والإيوان ذي القبتين والثلاث قباب، وأحيانًا يعلو المقبرة ست قباب أو تسع قباب، وقد وُجد النمط الأول بقُبة في ضريح بقوص ومقابر أسوان وأضرحة الشيخ يونس والحصواتى وعاتكة والجعفري بالسيدة نفيسة وهناك أمثلة لهذا التخطيط بجبانة البجوات.

العناصر المعمارية بالمقابر

“الواجهات والمداخل”: أقيمت المقابر بالطوب اللبن ويتوسط واجهاتها مداخل تذكارية تذكرنا بالمداخل الفاطمية، وقد أقيمت بالطوب والحجر حيث يوجد مدماك من الطوب بين كل مدماك من الحجر ويستمر ذلك بالعقود التي تعلو فتحات المداخل. “المحاريب”: وهو من أهم العناصر أيضًا، وقد وُجد بالمقابر، وتحديدًا بالركن الجنوبي الشرقي منها، ويمثل حنية نصف دائرية، وقد انتشرت المحاريب بمقابر أسوان والبهنسا حيث تعتبر إحدى سمات العمارة الفاطمية. أما “النوافذ” فقد تنوعت أشكالها ما بين الفتحات صغيرة المساحة إلى القندليات بالمقبرة والتي تتكون من نافذتين تعلوهما قمرية، وتعتبر عناصر الإضاءة والتهوية من العناصر المهمة في المبنى بصفة عامة حيث تعتمد الإضاءة والتهوية على النوافذ والأبواب، كما ساعد استخدام القباب في توفير حيز فراغي، وكانت النوافذ في مستوى مرتفع مما يساعد على تحريك الهواء داخل المبنى. وهناك عنصر “القباب ومناطق الانتقال”: حيث أُقيمت القباب بالطوب اللبن على جميع المقابر كما شرحنا سابقًا، وتتفوق هذه الجبانة على الجبانات الإسلامية بالوجة القبلي كالجبانة الإسلامية بأسوان والبهنسا؛ حيث تضم كل منهما عددًا كبيرًا من المقابر التي سارت على نفس التخطيط المعماري.

الخميس، 1 مايو 2025

بناء حضارة مصرية معاصرة

فارس عز الدين

قبل آلاف السنين، وقبل أن يسطر التاريخ أولى كلماته، استطاع المصري القديم التغلب على كافة الصعاب المحيطة به، بدءًا من ظروف بيئية بدائية قاحلة وصولًا إلى خوض معارك من أجل البقاء سواءً مع شعوب أخرى أو حتى مع الحيوانات المفترسة، وذلك في سبيل بناء حضارة مصرية خالدة كانت المهد لجميع حضارات العالم، ومن هنا دعونا ننتقل عبر الزمن إلى وقتنا الحاضر؛ لنرى كيف تستمر هذه الجينات الفرعونية في التوارث ومد جذورها إلى المصري المعاصر.

إذ نلاحظ أن نفس الشيء الذي قام به أجدادنا يتكرر مرةً أخرى علي يد المصري المعاصر، والذي استطاع التغلب على كافة الأزمات الضاربة بمصرنا الحبيبة في سبيل الحفاظ على أمانة الأجداد والنهوض بالمحروسة والقضاء على كل المتربصين بها واستكمال الوصية في وضع مصر بالمقام الصحيح الذي يليق بأرض الكنانة، لتكون في صدارة شعوب الأرض كما عهدها العالم منذ فجر التاريخ، فبعد عصر الاضمحلال الذي ضرب مصر قبل أربعة عشر عامًا من اليوم، والذي شهدت مصر خلاله ثلاث سنوات طاحنة من الأزمات والصراعات والتدهور السياسي والاقتصادي والأمني -وهي ظروف كانت كفيلة بأن تُضعف شتى مجالات الحياة الأخرى ووضعت مصر على حافة الهاوية- نهض المصري المعاصر بقيادته الحكيمة وحرصه الشديد على انتشال المحروسة من على حافة السقوط وتصحيح مسارها، محاولًا وضعها مرةً أخرى في مكانتها الطبيعية التي يعرفها الجميع.

فكما عودنا التاريخ؛ بعد كل عصر اضمحلال لابد وأن يأتي عصر النهضة، عصر القوة والبناء، عصر النهوض من جديد، ليمنحنا القدر مصريًا معاصرًا استمد جينات الأجداد في حب مصر والدفاع عنها ضد كل الحيوانات المفترسة في زمننا المعاصر، والتي كانت تتجهز لإسقاطها إلى الهاوية دون رجعة، وليقضي برُمحه على كل مصادر التهديد، بل إنه ورث الجينات الفرعونية ذاتها في النهوض والبناء والتشييد في محاولة منه لبناء حضارة معاصرة تعيد أمجاد الأجداد.

فكانت البداية بوضع المصري المعاصر لخطة نهضة شاملة تشمل كل أركان الدولة وعلى جميع الأصعدة وكافة أنحاء المحروسة، نهضة تقوم على تطوير البنية التحتية للبلاد والعمل على بناء وتشييد مدن جديدة في كافة ربوع مصر من مدن الجيل الرابع، فجاءت الانطلاقة من خلال إنشاء عاصمة جديدة مستقبلية لجمهورية مصر العربية تكون مركزًا للحكم والإدارة ولجميع مؤسسات الدولة، وفي هذا الصدد؛ دعونا نستعرض بعض المعلومات الهامة حول العاصمة الإدارية الجديدة:

تقع العاصمة الإدارية شرق مدينة القاهرة، وتبلغ مساحتها 170 ألف فدان، وتستهدف جذب حوالي سبعة ملايين نسمة، ويتسم تصميم العاصمة الإدارية بالمرونة والحيوية ومواكبة العصر، وبمُلاءمته للهوية الوطنية المصرية، كما يعكس التصميم صورةً حضارية لمستقبل مصر الذي يتطلع إليه شعبها، ويتم العمل على تشغيل جميع المباني الإدارية في العاصمة الإدارية الجديدة بالطاقة الشمسية، بما يسهم في رواج سوق إنشاء المحطات الشمسية بشكل أكبر، ويُزيد فرص العمل في هذا المجال، ويخفض تكلفة معدات الطاقة الشمسية.

كما يتم تنفيذ الحي الحكومي داخل العاصمة الإدارية بما يتناسب مع الاحتياجات الفعلية للوزارات ومعدلات توافد المواطنين إليها، فضلًا عن تحقيق أفضل استغلال لمساحات الأراضي بالعاصمة الجديدة، والعمل على خفض تكلفة الإنشاء إلى أقصى حد ممكن مع الحفاظ على أعلى معايير الجودة، ويتضمن الحي الحكومي 18 مبنى وزاري ومبنى للبرلمان ومبنى لمؤسسة الرئاسة ومبنى لمجلس الوزراء، والطراز المعماري للحي مستوحى من الحضارة المصرية بروافدها الفرعونية والإسلامية المتنوعة، وتصل إجمالي مسطحات المباني إلى مليون متر مربع.

ولم تتوقف جهود النهضة لدى المصري المعاصر عند هذا الحد؛ بل شملت خطة البناء تشييد مدن ذكية جديدة جميعها على طراز الجيل الرابع في شتى بقاع المحروسة، وقد بلغ عددها 14 مدينة جاري إنشاؤها في مصر، وتستهدف تلك المدن استيعاب 14 مليون نسمة وتوفير حوالي 6 مليون فرصة عمل، بما يمثل 50% من إجمالي التجمعات العمرانية التي تم تنفيذها خلال الاربعين عامًا الماضية، والهدف من إنشاء هذه المدن هو خلق مراكز حضارية جديدة تحقق الاستقرار الاجتماعي والرخاء الاقتصادي، بالإضافة إلى توفير مبانٍ متكاملة الخدمات، وإقامة مناطق جذب مُستحدَثة للمواطنين خارج نطاق المدن والقرى القائمة، بجانب العمل على تقليل التكدس حول وادي النيل ومد محاور العمران إلى الصحراء، وتكوين مراكز تنموية تحفز التنمية على مستوي مصر، وتطبيق معايير التنمية المستدامة في تدوير المخلفات وإقامة مساحات خضراء مفتوحة، وتعتمد تلك المدن بشكل كبير في توليد الكهرباء على الطاقة المتجددة، كما تعمل على تعظيم تنافسية مصر لجذب الاستثمارات وزيادة معدل النمو الاقتصادي، وتوفير الخدمات التنقية المتكاملة للمواطنين. ومن أبرز تلك المدن: العاصمة الإدارية الجديدة، ومدينة العلمين الجديدة، ومدينة المنصورة الجديدة، ومدينة أسيوط الجديدة، ومدينة المنيا الجديدة، ومدينة دمياط الجديدة.

كما شمل عصر النهضة، بجانب هذه الإنشاءات، طفرةً كبيرة في التنمية الاقتصادية للبلاد، سواءً في مجال الزراعة أو الصناعة أو الخدمات المجتمعية المقدمة للمواطن؛ فد شهد مجال الزراعة طفرةً كبيرة عبر استصلاح أربعة مليون فدان، وعلى مستوى الصناعة؛ تم إنشاء 22 مدينة صناعية جديدة، و17 مجمعًا صناعيًا بـ15 محافظة على مستوى الجمهورية، وإجمالي وحدات صناعية يبلغ عددها 5 آلاف و46 وحدة توفر نحو 48 ألف فرصة عمل مباشرة، بالإضافة إلى إنشاء أربع مدن صناعية جديدة شملت مدينة الجلود “بالروبيكي” ومدينة الأثاث الجديدة بدمياط ومدينة الرخام بالجلالة ومدينة الدواء بمنطقة الخانكة، بالإضافة إلى افتتاح المرحلة الأولى من مجمع صناعات الغزل والنسيج بمنطقة “الروبيكى” ومشروع “سايلو فودز” للصناعات الغذائية بمدينة السادات، كما تم إطلاق أول خريطة متكاملة للاستثمار الصناعي في مصر، وتشمل 27 محافظة، بالإضافة إلى إطلاق البرنامج القومي لتعميق التصنيع المحلي، والذي يستهدف الارتقاء بتنافسية الصناعة المصرية وإحلال المنتجات الوطنية محل المستوردة وإيجاد قاعدة صناعية من الموردين المحليين.

هذا كله بجانب النقلة الكبيرة التي تشهدها مصر الآن في النقل والمواصلات، وإعداد مشروع قومي كبير للطرق يشمل إنشاء 7 آلاف كيو متر طرق جديدة على مستوى الجمهورية، منها ألفين و600 كيلومتر في الصعيد فقط، وتطوير ورفع كفاءة 10 آلاف كيلومتر طرق رئيسية منها 4 آلاف كيلومتر في الصعيد، والعديد العديد من المشروعات والخطط القومية الشاملة التي وضعها المصري في خططه لبناء حضارة مصرية معاصرة تضاهي حضارتنا الفرعونية العظيمة الفريدة من نوعها التي لا زالت تدهش العالم أجمع منذ فجر التاريخ وحتى هذه اللحظة بتصميمها الهندسي وآثارها ومعابدها الكثيرة وروعتها الخالدة حتى أنها أبهرت الجميع بكيفية بناء مثل هذه الحضارة العظيمة قبل آلاف السنين بأدوات ومعدات قد تكون بدائية لأقصي درجة، فهذه هي مصر العظيمة التي جاءت ثم جاء التاريخ بعدها، والتي برغم كل العوائق والتحديات وبرغم كثرة الأعداء والمتربصين، ستظل دائمًا، بأبنائها وشعبها المتوارث للجينات والمترابط عبر الأجيال، قادرة على التقدم والنهوض والوصول إلى مكانتها المرموقة التي يعرفها العالم أجمع.. هي مصر التي كانت وستظل “أم الدنيا”.