الخميس، 1 مايو 2025

بناء حضارة مصرية معاصرة

فارس عز الدين

قبل آلاف السنين، وقبل أن يسطر التاريخ أولى كلماته، استطاع المصري القديم التغلب على كافة الصعاب المحيطة به، بدءًا من ظروف بيئية بدائية قاحلة وصولًا إلى خوض معارك من أجل البقاء سواءً مع شعوب أخرى أو حتى مع الحيوانات المفترسة، وذلك في سبيل بناء حضارة مصرية خالدة كانت المهد لجميع حضارات العالم، ومن هنا دعونا ننتقل عبر الزمن إلى وقتنا الحاضر؛ لنرى كيف تستمر هذه الجينات الفرعونية في التوارث ومد جذورها إلى المصري المعاصر.

إذ نلاحظ أن نفس الشيء الذي قام به أجدادنا يتكرر مرةً أخرى علي يد المصري المعاصر، والذي استطاع التغلب على كافة الأزمات الضاربة بمصرنا الحبيبة في سبيل الحفاظ على أمانة الأجداد والنهوض بالمحروسة والقضاء على كل المتربصين بها واستكمال الوصية في وضع مصر بالمقام الصحيح الذي يليق بأرض الكنانة، لتكون في صدارة شعوب الأرض كما عهدها العالم منذ فجر التاريخ، فبعد عصر الاضمحلال الذي ضرب مصر قبل أربعة عشر عامًا من اليوم، والذي شهدت مصر خلاله ثلاث سنوات طاحنة من الأزمات والصراعات والتدهور السياسي والاقتصادي والأمني -وهي ظروف كانت كفيلة بأن تُضعف شتى مجالات الحياة الأخرى ووضعت مصر على حافة الهاوية- نهض المصري المعاصر بقيادته الحكيمة وحرصه الشديد على انتشال المحروسة من على حافة السقوط وتصحيح مسارها، محاولًا وضعها مرةً أخرى في مكانتها الطبيعية التي يعرفها الجميع.

فكما عودنا التاريخ؛ بعد كل عصر اضمحلال لابد وأن يأتي عصر النهضة، عصر القوة والبناء، عصر النهوض من جديد، ليمنحنا القدر مصريًا معاصرًا استمد جينات الأجداد في حب مصر والدفاع عنها ضد كل الحيوانات المفترسة في زمننا المعاصر، والتي كانت تتجهز لإسقاطها إلى الهاوية دون رجعة، وليقضي برُمحه على كل مصادر التهديد، بل إنه ورث الجينات الفرعونية ذاتها في النهوض والبناء والتشييد في محاولة منه لبناء حضارة معاصرة تعيد أمجاد الأجداد.

فكانت البداية بوضع المصري المعاصر لخطة نهضة شاملة تشمل كل أركان الدولة وعلى جميع الأصعدة وكافة أنحاء المحروسة، نهضة تقوم على تطوير البنية التحتية للبلاد والعمل على بناء وتشييد مدن جديدة في كافة ربوع مصر من مدن الجيل الرابع، فجاءت الانطلاقة من خلال إنشاء عاصمة جديدة مستقبلية لجمهورية مصر العربية تكون مركزًا للحكم والإدارة ولجميع مؤسسات الدولة، وفي هذا الصدد؛ دعونا نستعرض بعض المعلومات الهامة حول العاصمة الإدارية الجديدة:

تقع العاصمة الإدارية شرق مدينة القاهرة، وتبلغ مساحتها 170 ألف فدان، وتستهدف جذب حوالي سبعة ملايين نسمة، ويتسم تصميم العاصمة الإدارية بالمرونة والحيوية ومواكبة العصر، وبمُلاءمته للهوية الوطنية المصرية، كما يعكس التصميم صورةً حضارية لمستقبل مصر الذي يتطلع إليه شعبها، ويتم العمل على تشغيل جميع المباني الإدارية في العاصمة الإدارية الجديدة بالطاقة الشمسية، بما يسهم في رواج سوق إنشاء المحطات الشمسية بشكل أكبر، ويُزيد فرص العمل في هذا المجال، ويخفض تكلفة معدات الطاقة الشمسية.

كما يتم تنفيذ الحي الحكومي داخل العاصمة الإدارية بما يتناسب مع الاحتياجات الفعلية للوزارات ومعدلات توافد المواطنين إليها، فضلًا عن تحقيق أفضل استغلال لمساحات الأراضي بالعاصمة الجديدة، والعمل على خفض تكلفة الإنشاء إلى أقصى حد ممكن مع الحفاظ على أعلى معايير الجودة، ويتضمن الحي الحكومي 18 مبنى وزاري ومبنى للبرلمان ومبنى لمؤسسة الرئاسة ومبنى لمجلس الوزراء، والطراز المعماري للحي مستوحى من الحضارة المصرية بروافدها الفرعونية والإسلامية المتنوعة، وتصل إجمالي مسطحات المباني إلى مليون متر مربع.

ولم تتوقف جهود النهضة لدى المصري المعاصر عند هذا الحد؛ بل شملت خطة البناء تشييد مدن ذكية جديدة جميعها على طراز الجيل الرابع في شتى بقاع المحروسة، وقد بلغ عددها 14 مدينة جاري إنشاؤها في مصر، وتستهدف تلك المدن استيعاب 14 مليون نسمة وتوفير حوالي 6 مليون فرصة عمل، بما يمثل 50% من إجمالي التجمعات العمرانية التي تم تنفيذها خلال الاربعين عامًا الماضية، والهدف من إنشاء هذه المدن هو خلق مراكز حضارية جديدة تحقق الاستقرار الاجتماعي والرخاء الاقتصادي، بالإضافة إلى توفير مبانٍ متكاملة الخدمات، وإقامة مناطق جذب مُستحدَثة للمواطنين خارج نطاق المدن والقرى القائمة، بجانب العمل على تقليل التكدس حول وادي النيل ومد محاور العمران إلى الصحراء، وتكوين مراكز تنموية تحفز التنمية على مستوي مصر، وتطبيق معايير التنمية المستدامة في تدوير المخلفات وإقامة مساحات خضراء مفتوحة، وتعتمد تلك المدن بشكل كبير في توليد الكهرباء على الطاقة المتجددة، كما تعمل على تعظيم تنافسية مصر لجذب الاستثمارات وزيادة معدل النمو الاقتصادي، وتوفير الخدمات التنقية المتكاملة للمواطنين. ومن أبرز تلك المدن: العاصمة الإدارية الجديدة، ومدينة العلمين الجديدة، ومدينة المنصورة الجديدة، ومدينة أسيوط الجديدة، ومدينة المنيا الجديدة، ومدينة دمياط الجديدة.

كما شمل عصر النهضة، بجانب هذه الإنشاءات، طفرةً كبيرة في التنمية الاقتصادية للبلاد، سواءً في مجال الزراعة أو الصناعة أو الخدمات المجتمعية المقدمة للمواطن؛ فد شهد مجال الزراعة طفرةً كبيرة عبر استصلاح أربعة مليون فدان، وعلى مستوى الصناعة؛ تم إنشاء 22 مدينة صناعية جديدة، و17 مجمعًا صناعيًا بـ15 محافظة على مستوى الجمهورية، وإجمالي وحدات صناعية يبلغ عددها 5 آلاف و46 وحدة توفر نحو 48 ألف فرصة عمل مباشرة، بالإضافة إلى إنشاء أربع مدن صناعية جديدة شملت مدينة الجلود “بالروبيكي” ومدينة الأثاث الجديدة بدمياط ومدينة الرخام بالجلالة ومدينة الدواء بمنطقة الخانكة، بالإضافة إلى افتتاح المرحلة الأولى من مجمع صناعات الغزل والنسيج بمنطقة “الروبيكى” ومشروع “سايلو فودز” للصناعات الغذائية بمدينة السادات، كما تم إطلاق أول خريطة متكاملة للاستثمار الصناعي في مصر، وتشمل 27 محافظة، بالإضافة إلى إطلاق البرنامج القومي لتعميق التصنيع المحلي، والذي يستهدف الارتقاء بتنافسية الصناعة المصرية وإحلال المنتجات الوطنية محل المستوردة وإيجاد قاعدة صناعية من الموردين المحليين.

هذا كله بجانب النقلة الكبيرة التي تشهدها مصر الآن في النقل والمواصلات، وإعداد مشروع قومي كبير للطرق يشمل إنشاء 7 آلاف كيو متر طرق جديدة على مستوى الجمهورية، منها ألفين و600 كيلومتر في الصعيد فقط، وتطوير ورفع كفاءة 10 آلاف كيلومتر طرق رئيسية منها 4 آلاف كيلومتر في الصعيد، والعديد العديد من المشروعات والخطط القومية الشاملة التي وضعها المصري في خططه لبناء حضارة مصرية معاصرة تضاهي حضارتنا الفرعونية العظيمة الفريدة من نوعها التي لا زالت تدهش العالم أجمع منذ فجر التاريخ وحتى هذه اللحظة بتصميمها الهندسي وآثارها ومعابدها الكثيرة وروعتها الخالدة حتى أنها أبهرت الجميع بكيفية بناء مثل هذه الحضارة العظيمة قبل آلاف السنين بأدوات ومعدات قد تكون بدائية لأقصي درجة، فهذه هي مصر العظيمة التي جاءت ثم جاء التاريخ بعدها، والتي برغم كل العوائق والتحديات وبرغم كثرة الأعداء والمتربصين، ستظل دائمًا، بأبنائها وشعبها المتوارث للجينات والمترابط عبر الأجيال، قادرة على التقدم والنهوض والوصول إلى مكانتها المرموقة التي يعرفها العالم أجمع.. هي مصر التي كانت وستظل “أم الدنيا”. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق