السبت، 17 مايو 2025

تمثال السجيني بالعبور.. تراث منسي على هامش التطوير


 





في ميدان صغير يحمل اسمًا كبيرًا، يقف تمثال “العبور” شامخًا، شاهدًا على لحظة تاريخية من كفاح الشعب المصري، أبدعه الفنان التشكيلي الراحل الدكتور جمال السجيني منذ أكثر من 50 عاما، ليخلد روح النصر والانتصار، ويمنح مدينة بني سويف لمسة من الجمال الفني والتراث النادر.

لم يعد تمثال “العبور” مجرد مجسم برونزي أو قطعة فنية في أحد ميادين المدينة، بل هو شهادة على مرحلة مفصلية في التاريخ المصري الحديث، إذ يجسد معاني التحدي والانتصار المرتبط بحرب أكتوبر المجيدة، كما يعكس بصمة أحد رواد فن النحت في مصر والعالم العربي، الدكتور جمال السجيني، الذي لطالما ربط بين الفن والهوية والحرية.

يعد تمثال “العبور من العلامات الفنية البارزة في صعيد مصر فهو عمل نحتي متميز نُحت ليُخلد لحظة العبور العظيم لقناة السويس في 6 أكتوبر عام 1973، ويُعبر عن كفاح الشعب المصري وجنوده، ويقف منذ سنوات كرمز للمقاومة والصمود في مدينة لم تُنصفه كتراث.

فما آل إليه حال التمثال اليوم يبعث الحزن والقلق. فمع بدء أعمال إنشاء كوبري الشاملة الجديد في بني سويف، تم تجاهل وجود التمثال تمامًا، ولم يتم اتخاذ أي إجراءات لنقله أو حمايته، ليبقى ملاصقًا لأعمال البناء، مهددًا بالتلف أو الإزاحة العشوائية في أي لحظة.

لم يسمع أهالي محافظة بني سويف قرار واضح يضمن سلامه التمثال أو حتى يُعيد النظر في موقعه. لا لافتة تُحذر من الاقتراب منه، لا غطاء يقيه من الغبار، لا دراسة هندسية تأخذ وجوده بعين الاعتبار. كأن التمثال ليس إلا حجرًا يمكن تجاوزه.


رغم أن المشروع القومي للبنية التحتية أمر بالغ الأهمية، إلا أن التعامل مع التراث الثقافي والفني بهذا التهاون يكشف غياب التنسيق والتخطيط بين الجهات المنفذة وبين المختصين في الآثار والثقافة والفنون. فهل يعقل أن يُترك تمثال لفنان بقيمة السجيني عرضة للتشويه أو الإزالة، دون حتى لافتة تعريفية تحكي تاريخه أو تحذر من المساس به؟
جميعنا نعلم أن الخبراء في مجال التراث يُحذرون من الآثار الجسيمة التي قد يتعرض لها التمثال المنحوت بفعل الهزات الأرضية الناتجة عن الحفر العميق، والاهتزازات التي قد تحدث  بسبب مرور المعدات الثقيلة، ناهيك عن احتمال تآكل قاعدته أو تفتت الأجزاء الدقيقة منه. الأسوأ من ذلك، أن بقاءه في هذا الموقع دون خطة للحماية يُنذر بتحوله إلى كائن هامشي في مشهد عمراني صاخب، يفقد قيمته الفنية والرمزية بمرور الوقت.
المؤلم في القصة أن لا أحد من المسؤولين، حتى الآن، أصدر قرارًا بنقله بشكل مؤقت أو تخصيص مساحة مناسبة له، بل بات خطر الإزاحة أو التلف قائمًا في ظل غياب التنسيق بين الجهات الهندسية والثقافية.

المؤلم في القصة أن لا أحد من المسؤولين، حتى الآن، أصدر قرارًا بنقله بشكل مؤقت أو تخصيص مساحة مناسبة له، بل بات خطر الإزاحة أو التلف قائمًا في ظل غياب التنسيق بين الجهات الهندسية والثقافية.


الأهالي والمهتمون بالشأن الثقافي في بني سويف عبّروا عن استيائهم من هذا الإهمال، مطالبين الجهات المختصة بالتدخل العاجل للحفاظ على التمثال، سواء بنقله إلى مكان يليق بقيمته، أو بإدماجه ضمن التصميم الجديد للكوبري بشكل يحفظ كرامته كأثر فني وتاريخي، لا أن يكون مجرد عقبة إنشائية تُزال مع الوقت.

تمثال “العبور” ليس ملكًا لبني سويف فقط، بل هو جزء من التراث القومي المصري، ومصير الأعمال الفنية الخالدة لا يجب أن يُترك للمصادفة أو الجرافات. فربما أصبح الوقت الآن مناسبًا لتوجيه سؤال جاد إلى المسؤولين: هل نحفظ تاريخنا، أم نمهد فوقه الطرق؟



رغم أن المشروع القومي للبنية التحتية أمر بالغ الأهمية، إلا أن التعامل مع التراث الثقافي والفني بهذا التهاون يكشف غياب التنسيق والتخطيط بين الجهات المنفذة وبين المختصين في الآثار والثقافة والفنون. فهل يعقل أن يُترك تمثال لفنان بقيمة السجيني عرضة للتشويه أو الإزالة، دون حتى لافتة تعريفية تحكي تاريخه أو تحذر من المساس به؟




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق