خبير أثري:
الخيامية من أهم وأقدم المهن التراثية في مصر ومبيعاتها تراجعت خلال السنوات الماضية
عاملون بالمهنة:
“النهاردة الجيل القديم بتاعنا خلاص مروح، ومفيش جيل جديد يكمل مسيرتنا”
تحقيق: فارس عز الدين، أحمد طه، موسى محمد
في ظل العصر التكنولوجي الذي نعيشه الآن، يركض الكثير منا وراء المنتجات الصناعية الحديثة، التي يتدخل في صناعتها العامل التكنولوجي، بما يوفره منا آلات صناعية ومعدات حديثة، فالناس وأصحاب المصانع يرون في هذه المنتجات مميزات كثيرة، مثل: سرعة الإنتاج، وتوفير الوقت والجهد، والسعر المنخفض، وفي الناحية الأخرى، لدينا منتجات الحرف اليدوية، والتي كانت ولازالت هي أصل كل الصناعات، ووراء كل المنتجات المختلفة التي احتاجها الإنسان على مر العصور المختلفة، ومن هذه المنتجات الحرفية القديمة مهنة الخيامية التي وصفها العاملون بها بأن قليلًا ما ينظر إليها في وقتنا الحاضر، وبالرغم مما قدمته هذه المهنة سابقًا، وبالرغم من جودة صناعتها وعمرها الافتراضي الطويل وشكلها الجمالي المبهج، إلا أن العاملين فيها يرونها على حافة الهاوية، بل وفي طريقها للاندثار.
وفي سبيل سعي «موقع موروث» للحفاظ على هذه الحرفة اليدوية المصرية الأصيلة، قرر فريق الموقع التوصل مع صناع وعمال هذه الحرفة لعرض أوضاعهم وما وصل بهم الحال إليه، خاصة بعد انتشار المصانع والآلات الحديثة.
مهنة الخيامية هواية لبعض العاملين بها وموروث الأبناء من الآباء لدى البعض الآخر
يقول محسن شعبان: “اسمي محسن شعبان وشهير باسم “محسن الخيمي”، عمري 76 سنة، أعمل في هذه المهنة منذ ما يقارب من 55 سنة، وهي لم تكن توارثًا عن العائلة، وإنما تعلمتها منذ الصغر كهواية، وأيضًا كمصدر للرزق، لكنني قمت بتوريثها لابني من بعدي، فهو الذي سيكمل العمل في هذه المهنة إن شاء الله.“
وفي أحد محلات ورش الخيامية بشارع الخيامية بالدرب الأحمر، أكد حسن كامل على أنه يعمل في هذه المهنة منذ أكثر من 30 عامًا، وأن مهنة الخيامية كانت مهنة الآباء والأجداد، ورغم تخرجه من الجامعة إلا أنه لم يتطرق لمجال عمل يرتبط بدراسته، وفضل الاستمرار في المهنة التي ورثها عن عائلته، من خلال ورشته المزخرفة التي تقع في خان الخيامية.
تطور مهنة الخيامية حكاية صنعها الآباء والأجداد ويحكيها لنا الأحفاد
وعن بداية العمل في المهنة يقول محسن شعبانفي البداية كنا نصنع “الأصونة” الخاصة بالجنازات والأفراح، وبعد ذلك دخل الطبع على هذه المهنة، والذي كنا نستخدمه في المواسم مثل موسم شهر رمضان، لكن هذا الطبع قضي على طريقة عمل الأصونة، وحاليًا بدأنا نقوم بتطوير مصنوعاتنا، فبدأنا نصنع المشغولات الإسلامية والعربية والفرعونية، من خلال نقل أفكار هذه المشغولات من الأقصر وأسوان، بجانب الأماكن القديمة، مثل: جامع السلطان حسن، وجامع الرفاعي، والجامع الشافعي، كمرجع لنا في هذه الأعمال، وبعدما نقوم بتصميم هذه المشغولات نقوم بعمل “اسطمبا” لها بحيث يكون لكل قطعة “اسطمبا” معينة لها، ثم نقوم بتجهيزها ونقلها على القماش بطريقة الطبع، وبعد ذلك يتم تحديدها بالإبرة أو بتراب الفحم، ثم نرفع “الأسطمبا” ثم يتم تحديدها مرة أخرى بالقلم الرصاص، ثم يتم تحديد كل قطعة ونقوم بتلوين الألوان عليها، كما هو واضح في كل قطعة.
وعن خان الخيامية أكد حسن كامل على أن هذا الخان لم يكن موجودًا في الماضي، وإنما جاءت تسميته من أضرحة الموالد التي كانت تُقام منذ زمن، وكانت تُسمى الخيامية، وجاءت من لفظ خيمة أو خيام، وهي الخيمة التي كان يُسكن فيها الناس في الأفراح و”المياتم” قديمًا.
وتابع حسن كلامه متحدثًا عن تاريخ المهنة وحكايتها التي توارثها من الآباء والأجداد قائلًا: “مع الانفتاح الاقتصادي بعد افتتاح قناة السويس سنة 1875، بدأت الناس تأتي إلى أماكن وجود الخيامية، فبدأ أجدادنا في تطوير هذه الخيام عن طريق إضافة الوسائد والستائر لهذه الخيام، وجميعها كانت “شغل يدوي”، وفي هذه الحرفة يوجد العديد من الفنون المتنوعة والمشغولات المختلفة، فهناك المشغولات الإسلامية التي نأخذها من المساجد، والمشغولات الفرعونية التي نأخذها من المعابد، وهنالك أيضًا فن العصافير، وحاليًا يوجد اختلاف في التصميم، فهناك تصميم قد يكون صغيرًا فيأخذ وقتًا وجهدًا أكثر، وهنالك تصميم واسع فيحتاج إلى جهد أقل، وعلى أساس ذلك يتم تحديد ثمن الشغل، فكلما احتوى الشغل على تفاصيل أكثر كلما زادت التكلفة، والأسعار تختلف أيضًا مع الدقة ومن تصميم إلى آخر.
قلة الأيدي العاملة بالخيامية تقلق العاملين بها
وأبدى محسن شعبان تخوفه الشديد على المهنة قائلًا: “المهنة حاليًا تنقرض ولا يوجد أحد يُقبل على تعلمها، ونفسي الشباب في الوقت الحالي يهتموا بيها ويتعلموها علشان متمتش، وياريت المسؤولين يهتموا بالصنعة، ويشجعوا الشباب على تعلم الحرفة، عشان متموتش، فالنهاردة الجيل القديم بتاعنا خلاص مروح، ومفيش جيل جديد عايز يشتغل في المهنة ويكمل مسيرتنا”.
ويرى حسن كامل أن أهم أسباب تراجع المهنة ارتباطها بالسياحة، مؤكدًا على أن السياحة حاليًا غير مستقرة لارتباطها بالأحداث الجارية في العالم، فبوجود الاستقرار توجد السياحة، وبوجود السياحة تنتعش المهنة.
وتابع كامل كلامه قائلًا: “المهنة حاليًا تتأثر بالعديد من الأحداث الجارية، فالإرهاب يؤثر عليها، والحروب الجارية في فلسطين، وكذلك التي بين روسيا وأوكرانيا، والأزمة التي حدثت في منطقة البحر الأحمر أثرت على التجارة، وهذه الأحداث جميعها تؤثر على الخيامية والسياحة بشكل عام، فبسبب كل هذه الأوضاع قلت أعداد السياح في مصر، ومن ثم قل الطلب على منتجات الخيامية.
خبير أثري.. الخيامية واحدة من أهم وأقدم المهن التراثية في مصر
في هذا السياق صرّح الدكتور خالد سعد، الخبير الأثري ومدير إدارة آثار ما قبل التاريخ بوزارة السياحة والأثار، أن مبيعات منتجات الخيامية التقليدية شهدت تراجعًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، مقارنةً بالسنوات السابقة.
وأوضح الخبير الأثري أن هذا الانخفاض يرجع إلى عدد من العوامل، من بينها: ثورة يناير لعام ٢٠١١، وارتفاع أسعار المواد الخام، وتراجع القوة الشرائية، إلى جانب المنافسة الشديدة من المنتجات المستوردة التي تُباع بأسعار أقل.
وأكد سعد على أن حرفة الخيامية تُعد واحدة من أقدم وأهم الحرف التراثية في مصر، وتعكس هوية فنية وثقافية متميزة، داعيًا إلى ضرورة تكثيف الجهود لدعم الصناع المحليين من خلال مبادرات تسويقية ومعارض دائمة، وتشجيع المستهلكين على اقتناء المنتجات التراثية المصرية، مشيرًا إلى أهمية دور الدولة والقطاع الخاص في الحفاظ على هذا التراث الوطني، وتوفير المناخ المناسب لاستمرار الحرفيين في ممارسة عملهم بما يضمن استدامة هذه الحرفة العريقة.
ويرى سعد ضرورة تحول مصر من سياحة الرؤية إلى صناعة السياحة، موضحًا أن ذلك سيساعد على إعادة الحرف اليدوية لمكانها من جديد.
واستكمل سعد كلامه: “لابد أن يكون لمصر منتج مرتبط بتراثها يقدم للسائح بمقابل، مثلما فعلت الصين فهي تصدر منتجات مرتبطة بتراثها، ونحن لدينا كم هائل من المؤسسات الصناعية المرتبطة بالتراث، من: أثاث، وزخارف، وحلي، وملابس، والكثير، ولكل نمط من هذه الأنماط له مؤسسات صناعية.
وتساءل سعد لما لا يكون هناك مصنع متخصص في صناعة الملابس المصرية؟ فنحن لدينا في مصر العديد من مصانع الملابس فلما لا يوجد بينهم من هو متخصص في صناعة الملابس المصرية القديمة، فلو وجدت هذه المصانع والمؤسسات سوف يكون هناك منتج مصري بجانب المواقع الحضارية والتراثية، وهذا بالفعل سيساعد على وجود كم مهول من الصناعات المرتبطة بالتراث الذي يستفيد منها الزائر للأماكن الأثرية التراثية.
وأضاف: علينا تأهيل العاملين بالمهن التراثية وإشعارهم بدورهم في المجتمع، وأن هذا فيه منفعة لهم.
وتابع: هناك منتجات لابد أن تنتشر في جميع ربوع مصر، مثل: منتجات الفخار والسجاد في “الحرانية”، والصدف، ومنتجات المرمر في الأقصر، موضحًا أن ذلك يقع على عاتق الدولة، التي يجب عليها توجيه القطاع الخاص والمجتمع المدني لهذا الأمر ومساعدتهم لبعضهم البعض لتحقيق ربح متبادل.


.jpeg)









.jpeg)


.jpeg)
.jpeg)



.jpeg)


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق