الاثنين، 5 مايو 2025

«شارع المعز» .. متحف مفتوح يحكي ألف عام من الحضارة الإسلامية في قلب القاهرة

 

تقرير: أحمد طه وعبدالرؤوف محمد

يعد شارع المعز لدين الله الفاطمي من أبرز الشوارع التاريخية في القاهرة، حيث يربط ماضي المدينة بحاضرها. ويُعد هذا الشارع شاهداً حياً على عصور متتالية من الحضارات، من الفاطميين إلى المماليك، ويحتوي على العديد من المعالم التاريخية والمعمارية التي تعكس جمال وعراقة التراث الإسلامي. فقد كان شارع المعز في يوم من الأيام مركزاً للثقافة والاقتصاد والسياسة في قلب القاهرة، وما زال يحتفظ بروح الأصالة والتراث من خلال مبانيه الأثرية ومساجده ومدارسه التي تجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم. هذا التقرير يستعرض علاقة هذا الشارع العريق بالتراث المصري الإسلامي، ويكشف عن الدور الكبير الذي يلعبه في الحفاظ على الهوية الثقافية للمدينة.

يرجع تاريخ شارع المعز إلى عصر الخليفة الفاطمي المعز لدين الله (341-365هـ/ 953-975م)، والذي حكم مصر في الفترة ما بين (358-365هـ/ 969-975م) كأول الخلفاء الفاطميين لمصر. يعد الشارع حاليًا أكبر متحف مفتوح للآثار الإسلامية في العالم، وموقع تراثي فريد تم إدراجه على قائمة مواقع التراث العالمي في عام 1979م.

 تغيرت مسميات الشارع على مر العصور التاريخية، حتى عُرف بشارع المعز منذ عام 1937م تكريمًا له كمنشئ للقاهرة.

يمتد الشارع بين بابين من أسوار القاهرة القديمة من باب الفتوح شمالًا حتى باب زويلة جنوبًا، مرورًا بعدة حارات وشوارع تاريخية عريقة من أشهرها شارع أمير الجيوش، الدرب الأصفر، حارة برجوان، خان الخليلي، والغورية.

 ويضم الشارع مجموعة من أروع آثار مدينة القاهرة يصل عددها إلى تسعة وعشرين أثرًا تعكس انطباعا كاملًا عن مصر الإسلامية في الفترة من القرن العاشر حتى القرن التاسع عشر الميلادي، والتي تبدأ من العصر الفاطمي بمصر (358-567هـ/ 969- 1171م) حتى عصر أسرة محمد علي (1220- 1372هـ/ 1805-1953م). وتتنوع الآثار الموجودة ما بين مباني دينية وسكنية وتجارية ودفاعية، واليوم تصطف الأسواق ومحلات الحرف اليدوية التقليدية على طول الشارع مما يضيف إلى سحر الشارع التاريخي.  

يرصد موقع موروث أبرز الأماكن الثراثية في شارع المعز وهي :

مدرسة وقبة الصالح نجم الدين أيوب

واحدة من أهم المنشآت المعمارية الباقية من العصر الأيوبي، تقع في منطقة بين القصرين من شارع المعز لدين الله. عُرفت بالمدرسة الصالحية حيث بدأ في إنشائها السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب في عام 641هـ/ 1243م. تعد هذه المدرسة هي الأولى من نوعها لتدريس المذاهب السنية في مصر حيث أنشئت لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة بدلًا من المذهب الشيعي الذي كان يدرسه الفاطميون من قبل، وكان لكل مذهب مكان خاص بداخل المدرسة.  من أهم ما يميز هذه المدرسة احتفاظ واجهتها الرئيسية بزخارفها الفنية ومئذنتها المميزة التي تعلو المدخل، ولم يتبق من المدرسة حاليًا سوى الإيوان الغربي (إيوان المذهب المالكي)، ويرجع تاريخ إنشاء القبة الضريحية الملاصقة للمدرسة إلى عام 647هـ/ 1249م والتي شيدتها السلطانة شجر الدر زوجة الملك الصالح وذلك بعد وفاة زوجها خلال الحروب الصليبية في المنصورة، الذي دُفن في قلعة الروضة إلى أن اكتمل بناء القبة ونقل إليها في عام 648هـ/ 1250م، وللقبة واجهة واحدة رئيسية بها مدخل على شارع المعز يعلوه لوحة تحمل كتابات تشير إلى تاريخ وفاة الملك الصالح. تمثل المقصورة الخشبية بداخل القبة نموذج فريد من نوعه للتحف الخشبية في العصر الأيوبي بزخارفها الكتابية المحيطة بها.

سبيل وكتاب عبد الرحمن كتخدا



يقع هذا السبيل عند تقاطع شارع المعز مع شارع التمبكشية، شيده الأمير عبد الرحمن كتخدا القازد علي سنة 1157هـ/ 1744م، وكان أحد قادة الجيش في العصر العثماني بمصر، وكان مهتمًا بتشييد العمائر المتنوعة بمدينة القاهرة.

يقع المدخل الرئيسي للسبيل بشارع التمبكشية على يسار الواجهة القبلية. يعلو باب الدخول لوحة كتابية عبارة عن أبيات من الشعر واسم المنشئ وتاريخ الإنشاء بطريقة حساب الجمل، كما يوجد أيضًا مساحة مربعة بداخلها دائرة بها كتابات لأسماء أصحاب الكهف أسفل طاقية العقد.

يتكون السبيل من غرفة التسبيل وهي مستطيلة الشكل لها ثلاث واجهات بكل منها شباك نحاسي يتقدمها ألواح رخامية من الخارج مخصصة لوضع كيزان الشرب لسقاية المارة. غُطيت جدران السبيل من الداخل بالبلاطات الخزفية (القاشاني)، والتي تنوعت زخارفها بين الزخارف النباتية العثمانية، ورسم للحرم المكي، بالإضافة إلى الزخارف الكتابية ومنها “كلما دخل عليها زكريا المحراب”، “يا مفتح الأبواب افتح لنا خير الباب” وغيرها من الكتابات. يعلو السبيل كُتّاب لتعليم أيتام المسلمين القرآن الكريم والأحاديث الشريفة.

مدرسة وخانقاه السلطان الظاهر برقوق


أنشأها السلطان الظاهر برقوق ما بين عامي (786-788ھ/1384-1386م)، وتقع هذه المجموعة بشارع المعز وتتوسط أحد أكبر مجموعات التراث المعماري في العالم. للمنشأة وظائف خيرية دينية، حيث كانت تستخدم كمدرسة لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة ومسجد وخانقاه للصوفية، وبها قبة ضريحيه دُفن بها والده وعدد من زوجاته وأبنائه.

تتكون المدرسة من صحن مكشوف تحيط به أربعة إيوانات أكبرهم الإيوان الجنوبي الشرقي الذي يحتوي على محراب رخامي ومنبر خشبي وكرسي المصحف ودكة المبلغ. كما ألحق بالمنشأة وطبقات للصوفية وغرف للطلبة ومطبخ ودورة مياه وحظيرة للدواب كمنشأة خدمية للمدرسة. ويعلو واجهة المدخل مئذنة قمتها على الطراز المملوكي.

 وتعد المنشأة تحفة معمارية رائعة بكل ما فيها من عناصر معمارية وزخرفية. ويميز المنشأة النصوص الكتابية النسخية التي تحتوي على آيات قرآنية، واسم المنشئ وتاريخ الإنشاء، كما تتميز أيضًا بالتكيسات الرخامية الملونة وسقف إيوان القبلة بزخارفه الرائعة

باب النصر


يعد باب النصر أحد أبواب السور الشمالي لمدينة القاهرة، ويفتح على شارع الجمالية. شُيد في عهد الخليفة المستنصر بالله على يد وزيره قائد الجيوش بدر الجمالي سنة 480هـ/ 1087م للدفاع عن مدينة القاهرة الفاطمية. وقد شُيد من الحجر، عوضًا عن التي شيدها جوهر الصقلي بالطوب. على الرغم من وجود اسم “باب العز” في النص التأسيسي المنفذ بالخط الكوفي أعلى البوابة بدقة وبراعة، إلا أنه ظل محتفظًا بالاسم القديم “باب النصر” وهي التسمية التي ما زالت تطلق عليه حتى الآن.

وأهم ما يميز برجي الباب أنهما اتخذا شكلًا مربعًا كما نُقش على أحجارهما رسوم تمثل بعض أدوات القتال من دروع وسيوف، والتي ترمز إلى حماية المدينة.

باب الفتوح


يعد باب الفتوح واحدًا من أندر أمثلة العمارة العسكرية في العالم الإسلامي قبيل الحروب الصليبية أسوة بمثيله باب النصر وباب زويلة. يقع عند بداية شارع المعز الذي ينتهي ببوابة زويلة. بُني في عهد الخليفة المستنصر بالله على يد وزيره قائد الجيوش بدر الجمالي بغرض الدفاع وحماية المدينة سنة 480هـ/ 1087م بالسور الشمالي لمدينة القاهرة الفاطمية ويفتح على شارع المعز.

وعلى الرغم من نقش اسم “باب الإقبال” بالنص التأسيسي للباب، إلا أنه ظل محتفظًا بالاسم القديم “باب الفتوح” وذلك نسبة لخروج الجيوش من تلك البوابة للفتوحات، وهي التسمية التي مازالت تطلق عليه حتى الآن.

 شيد برجيه على هيئة نصف دائرية، وأهم ما يميز البوابة العقد الذي يتوجها حيث زُين بشبكة من المعينات المتداخلة وقد شغل كل معين بزخارف منحوتة، يعلوها صف من الكوابل (حامل حجري)، بالإضافة إلى الفتحات الموجودة بأرضية الممر الواصل بين البرجين التي صُممت لصب الزيت المغلي منها على العدو عند تعرض المدينة للهجوم.

جامع الحاكم بأمر الله

يعتبر جامع الحاكم بأمر الله رابع أقدم المساجد الجامعة الباقية بمصر، وثاني أكبر جوامع القاهرة اتساعا بعد جامع أحمد ابن طولون. أمر بإنشائه الخليفة العزيز بالله الفاطمي في سنة 380هـ /990م وتوفي قبل إتمامه فأتمه ابنه الحاكم بأمر الله 403هـ/ 1013م.

 يقع الجامع حاليًّا بنهاية شارع المعز لدين الله الفاطمي بحي الجمالية بجوار باب الفتوح. حيث كان المسجد وقت تشييده خارج أسوار القاهرة القديمة التي شيدها جوهر الصقلي، ثم أصبح داخل حدود المدينة بعد أن قام بدر الجمالي (480هـ/ 1087م) بتوسعة المدينة وتشييد الأسوار الحالية، ويمثل المدخل الرئيسي البارز بالواجهة الغربية أقدم أمثلة المداخل البارزة بمصر حيث أخذ الفاطميون فكرته من مسجد المهدية في تونس. وقام جامع الحاكم  بأمر الله بنفس الدور الذي كان يقوم به جامع الأزهر في ذلك الوقت من حيث كونه مركزًا لتدريس المذهب الشيعي.

أما عن تخطيط الجامع فهو مستطيل الشكل، ويتكون من صحن أوسط مكشوف تحيطه أربع أروقة ويعلو واجهته مئذنتين، وقد تعرض الجامع للعديد من عمليات الترميم على مر السنين، للمسجد تاريخ مثير للاهتمام حيث اتخذته الحملة الفرنسية مقرًا لجنودها واستخدمت مئذنتيه كأبراج للمراقبة. وقد استخدم رواق قبلته كأول متحف إسلامي بالقاهرة أطلق عليه دار الآثار العربية.

جامع الأقمر



يقع الجامع بشارع المعز لدين الله، وأنشأه الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله سنة 519هـ/ 1125م، وقد تولى أمر البناء الوزير المأمون البطائحي، وتم تجديده في عهد السلطان برقوق عام 799هـ/ 1397م على يد الأمير يلبغا السالمي.

تعد الواجهة الرئيسية للجامع واحدة من أقدم الواجهات الحجرية الباقية بمصر، وقد اهتم المعمار ببنائها وزخرفتها بدخلات من عقود مشعة وعبارات شيعية أهمها تكرار كلمتي “محمد وعلي”، بالإضافة إلى كتابات بالخط الكوفي عبارة عن آيات قرآنية.

 وظهرت براعة المهندس في تنسيق الواجهات لتتفق مع اتجاه الطريق، وكذلك مراعاة اتجاه القبلة من الداخل. وعند بناء المتحف القبطي في القرن العشرين تم تصميم واجهته على نسق واجهة الجامع مع وضع العبارات المسيحية والصلبان بدلًا من العبارات الإسلامية، ويتكون الجامع من صحن (فناء) أوسط مكشوف يحيط به أربعة أروقة مغطاة بقباب ضحلة (قليلة العمق) أكبرها رواق القبلة، ويتوسط جدار القبلة محراب يعلوه لوحه تسجل التجديدات التي أجراها الأمير يلبغا السالمي.

بيت السحيمي


يقع في حارة الدرب الأصفر في منطقة الجمالية المميزة في شارع المعز، ويعد من أجمل بيوت مدينة القاهرة. أقام هذا البيت الشيخ عبد الوهاب الطبلاوي في سنة 1058هـ/ 1648م، وأنشأ القسم الثاني منه الحاج إسماعيل جلبي في سنة 1211هـ/ 1796م، وقام بدمجه بالقسم الأول ليصبح بيتًا واحدًا. وعُرف البيت بالسحيمي نسبة إلى آخر من سكنه الشيخ السحيمي وهو من كبار علماء الأزهر وشيخ رواق الأتراك في العصر العثماني. وفي سنة 1349هـ/ 1931م باع ورثة السحيمي هذا البيت إلى لجنة حفظ الآثار العربية بمبلغ ستة آلاف من الجنيهات.

 يحتوي البيت على عدة مباني تطل على فناء واسع وحديقة خلابة بمجموعة من المشربيات الخشبية الرائعة، ويحتوي على مقعد كبير وقاعات استقبال فريدة من نوعها مجهزة بأثاث يمثل روح العصر الذي بني فيه، ومن أهم العناصر الموجودة بالبيت كرسي الولادة، حمام، عدة آبار توفر المياه للبيت بالإضافة إلى ساقية مياه تستخدم لري الحديقة ومازال ترسها الخشبي موجودًا إلى اليوم، وطاحونة للحبوب تدار عن طريق ثور ومجموعة من الأواني الفخارية والحجرية لحفظ الحبوب.

باب زويلة


هو أحد أبواب أسوار مدينة القاهرة الفاطمية من الجهة الجنوبية. أنشأه الوزير بدر الجمالي في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله عام 485هـ/1092م. أي بعد بناء بابي النصر والفتوح في الجهة الشمالية بحوالي خمس سنوات تقريبًا، وهذه الأبواب الثلاثة خير دليل باقي على عظمة العمارة الحربية بمصر في العصر الفاطمي.

يبلغ عرض هذا الباب حوالي 4.82 م، حيث يحيط به من الجانبين برجان مستديران يحصران بينهما مدخل باب زويلة. بعد مرور قرابة 300 عامًا استغل السلطان المملوكي المؤيد شيخ قاعدتي البرجين لبناء مئذنتي مسجده الملاصق للباب عام 818-824هـ/ 1415-1421م، ترجع تسمية الباب بهذا الاسم نسبة إلى قبيلة زويلة التي وفدت من شمال أفريقيا برفقة قائد الجيوش الفاطمية جوهر الصقلي، واستقرت قبيلة زويلة بالقرب من الباب. كما عُرفت أيضًا باسم “بوابة المتولي” لأن متولي الحسبة والشؤون المالية كان يجلس هنا لتحصيل الضرائب.

شهدت الساحة أسفل الباب على مر العصور مواكب واحتفالات وأحداث تجارية وتاريخية أبرزها، عندما قام السلطان سليم الأول العثماني بشنق السلطان الأشرف طومان باي آخر سلاطين المماليك في مصر، والتي كانت إيذانًا بانتهاء الدولة المملوكية عام 923هـ /1517م، وخضع الباب لأول عملية ترميم في تسعينيات القرن الماضي من قبل لجنة حفظ الآثار العربية. ثم استطاع المجلس الأعلى للآثار بالتعاون مع مركز البحوث الأمريكي بمصر أن يعيد للباب رونقه مرة أخرى، وذلك ضمن مشروع ترميم على مدار خمس سنوات

 حمام السلطان إينال


أنشأه السلطان الملك الأشرف أبو النصر سيف الدين إينال عام 861 ھـ/ 1456م ضمن منشآت الرعاية الاجتماعية التي تخدم العامة في العصر المملوكي. يتبع حمام السلطان إينال تخطيط الحمامات الإسلامية، حيث يتكون من مدخل منكسر يؤدي الممر إلى الحجرة الباردة موضع خلع الملابس للاستعداد للاستحمام، يتخللها عدد من مقاعد للجلوس وخِزانات لحفظ المتعلقات الشخصية.

ومن ثم ينتقل المستحم إلى الحجرة الدافئة لتناول المشروبات والاسترخاء قبل الدخول إلى الحجرة الساخنة “المغطس”. بالإضافة إلى مراعاة أن يتم الخروج من خلال المرور بتلك الحجرات بطريقة عكسية بحيث تتم تهيئة درجة حرارة الجسم عند الدخول والخروج.

استخدم المعماري المسلم القباب الضحلة بكل من الحجرة الباردة والساخنة للمحافظة على دورة الهواء الساخن، كما تم تزويد القباب بفتحات من الزجاج الملون لإضاءة المكان. تتدفق المياه إلى الحمام من خلال بئر متصل بساقية لرفع المياه إلى المستوقد المتواجد خلف الحمام، حيث تُجمع فيه القمامة كوقود ويشعل بها النيران لتسخين المياه في وعاء ضخم ليتم ضخها إلى حجرات الحمام المختلفة عبر مجموعة من الأنابيب الفخارية والصنابير المعدنية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق