الثلاثاء، 6 مايو 2025

العادات والتقاليد المصرية مرآه لحضارة سبعة آلاف عام.. والشباب: “السوشيال ميديا تبعد أغلبنا عنها”

 

تقرير: فارس عز الدين

في قلب مصر لا تسير الحياة فقط على إيقاع الحداثة والتطور، بل تنبض أيضًا بروح الموروث الشعبي والعادات العريقة التي شكلت ملامح الشخصية المصرية عبر قرون من الحضارة حيث تتوارث الأجيال طقوسًا لا تندثر، بل أنها تتجدد بخصوصية فريدة تميز الريف عن الحضر والنوبة عن الصعيد والواحات عن دلتا النيل، فالعادات والتقاليد ليست مجرد طقوس مكررة بل هي لغة اجتماعية وهوية ثقافية راسخة تعكس القيم ونبض الناس في المناسبات الاجتماعية والدينية المختلفة مثل الأفراح والمآتم والموالد والأعياد مثل عيد الحصاد وعيد الأضحى وعيد الفطر وشم النسيم وأبرز ما يميز هذه العادات هو تكيفها وبقائها لآلاف السنين سواء كانت عادات اجتماعية، أو عادات دينية يتمتع بها أهالي الريف والحضر والصعيد والبدو، فجميعهم لديهم عاداتهم المختلفة التي تحظي معظمها على الاحترام من جميع فئات الشعب المصري.

وفي هذا التقرير يرصد  موروث ملامح هذا التراث لاجتماعي ونتعرف إلى آراء الشباب حول مستقبله في ظل التغيرات المعاصرة فسبق وأن صرح وزير الثقافة الدكتور احمد فؤاد هنو، بأن المجتمع المصري لديه قيم وأعراف وتقاليد حمت الوطن وحافظت على القيم الإنسانية به ومن ثم يجب أن نحافظ عليها، مؤكدا على أن عملية تحريك القيم والتقاليد قد تكون سلاح ذو حدين.

و أكد الفنان محمد صبحي خلال مؤتمر الحوار الوطني على ضرورة التمسك بالجذور، مشيرًا إلى أن التمسك بالعادات والتقاليد والجذور ليس تخلفًا، بل هو ضرورة وأمر أساسي مهما بلغ التقدم التكنولوجي، مشددًا على أهمية إبراز عظماء تاريخ مصر والتمسك بالهوية الثقافية.

الشباب المصري: نسبة كبيرة منا بعدت عن العادات والتقاليد ونسبة ليست قليلة أيضا مازالت متمسكة بها

 سعت موروث لمعرفة آراء الشباب المصري، حول تمسكهم بالعادات والتقاليد المصرية ولما تتأثر، فيقول أحمد البحراوي – طالب بكلية الهندسة من مدينة طنطا-  هناك عادات وتقاليد يهتم بها المصريين  وتسمى “الأصول” وبالطبع ليس كل الناس تعمل بها، لكن نحن لدينا رواسخ وثوابت لا تتغير، ولابد ألا نجزئ مبادئنا في الصح والخطأ، وفي النهاية كل شخص لديه حريته في الاختيار.

وتابع ‏”هناك بالتأكيد أمور جديدة على مجتمعنا في الوقت الحالي بسبب السوشيال ميديا، والشباب لا يفهمها لكنه يعمل بها ظنا منهم بأن رؤية الجيل القديم خاطئة لأنهم اعتادوا عليها دون تفكير، مؤكدا على أن المسئولية تقع على الكبار والآباء والأجداد فيجب أن يكونوا عن قرب مع الأجيال الحديثة ليعلموا مستجدات العصر الحالي فيستطيعون حينها النصح والإرشاد.

 ووصف عمر حسين –  طالب بكلية الطب، العادات والتقاليد في مجتمعنا المصري بأنها الحاجة” التي ولد بها، أو ولد فوجد أهله أو أسرته يقومون بها مثل العادات التي توارثها منهم أو من المجتمع المحيط به مشيرا إلى أنه يطبق منها الكثير.

واستكمل حديثة قائلًا: وهناك عادة تعلمتها من أسرتي وأطبقها في حياتي باستمرار “العادة الأولي هي عادة مرتبطة بالإسلام، وهي احترام الكبير، فانا ولدت شاهدت أبي وجدي وعمي كيف يعاملون الأكبر سنا، وشاهدت أخوتي الأكبر مني، كيف يحترمون الكبير، ولا يستطيع أحد منهم تعلية صوته، أو أن يقول لا للشخص الأكبر سنا، حتى لو لم يقتنع بكلامه، لكنه يفعله احتراما له.

‏ويرى عمر أن الشباب في سنه بنسبة كبيرة بعدت عن العادات والتقاليد ونسبة ليست قليلة أيضا مازالت متمسكة بها والسبب في ذلك ترددهم على السوشيال ميديا، والتأثر بالأشياء التي يشاهدونها في الخارج، واصفًا ذلك “الشاب دلوقتي بقي بيقلد أي أحد من بره البيت حتي لو هو غلط بس علشان يكسر العادات والتقاليد ويحس انه مختلف عن أهله وانه حر وبيبرر ده بأنه دا الطبيعي لأن الأجيال مختلفة”.

وترصد موروث بعض العادات الاجتماعية والدينية التي مازال أهالي مصر ملتزمون بها

الزواج: تعدّ الأعراس مناسبة لا غنى عنها في كل أنحاء العالم ففي مصر مثلاً جرت العادات على تقديم جهاز العروس والذي يتكون من الصندوق الذي يوضع به الإكسسوارات من العقود والمجوهرات والأشرطة الملونة التي يزين بها الشعر الطويل والمخدة وكذلك يتم تقديم مبلغ مالي للعريس وتُسمى ب “نقوط الفرح” وهي عادة متأصلة في المجتمعات الشعبية الأخرى.

المولد النبوي: هي مناسبة عظيمة يتمّ الاحتفال بها منذ القدم، حيث جرت العادات بتنظيم مسيرات يتوافد بها الشباب والأطفال والشيوخ، ويرفعون أعلاماً مكتوباً عليها عبارات المدح للنبي عليه الصلاة والسلام، ويطوفون بها حول المدينة احتفالاً بهذه المناسبة.

شم النسيم: من العادات المتوارثة منذ الفراعنة الأجداد هي شم النسيم الذي يُحتفل به في الحادي والعشرين من أبريل في كل عام ويتناول فيه المصريون الفسيخ (السمك المملح).

سبوع المولود: كان المصريون القدماء يحتفلون بميلاد الطفل في اليوم السابع بعد ولادته لأنه في هذا اليوم يكتمل فيه حاسة السمع عند المولود لذا كان يتم الاحتفال بطريقة صاخبة من خلال دق الطبول وارتداء الخلاخيل حتى يسمع المولود الأصوات بوضوح وتلك العادة تم توارثها عبر الأجيال، حتى أصبحت طقسًا أساسيًا تقوم به كل العائلات المصرية.

كسر القلة: يرتبط كسر القلة عند المصري القديم بالوفاة فبعد موت أحد الأفراد تقوم أسرته بدفنه وتشييع جنازته ثم القيام بكسر كل الأواني الفخارية التي تخصه على الفور خشية عودة روحه إلى البيت مرة أخرى، وقيامها بأذى أحدهم أو التسبب في الشر حسب اعتقادهم وجرى توريث تلك العادة، حتى أصبح كسر القلة مرتبطا بالأشخاص الذين يشيعون الطاقة السلبية والأذى في المكان باعتبار أن كسر القلة وراءه ستُنهي تردده على المكان مرة آخري.

ذكرى أربعين المتوفي: اعتاد المصريون القدماء إقامة مراسم الجنازة بعد 40 يومًا من عملية التحنيط التي كانت تستغرق حوالي 40 يومًا وتناقل المصريون تلك العادة من خلال إقامة الذكرى الأربعين للمتوفي بتجمع عائلته وأصدقائه لقراءة القرآن والدعاء له.

عين حورس: كان للإله حورس مكانة كبيرة ومقدسة في قلوب المصريين القدماء، لذا اتخذوا رمز عين حورس للحماية من الأرواح الشريرة والطاقة السلبية والحسد، من خلال ارتدائها كقلادة ووضعها على صدر موتاهم لحمايتهم في الحياة الأخرى ومازالت هذه العادة موجودة حتى الان.

موائد الرحمن الخاصة بشهر رمضان: وهي تعد من العادات المميزة جدا في مصر، وتمتد إلى اكثر من ألف عام وهي موائد طعام تُنْصب في الشوارع لإطعام الصائمين، ويتسابق المصريون في هذا الشهر الكريم إلى إطعام الصائمين فمنهم من يقوم بتجهيز وجبات أُعدت في المنزل أو تجهيز المشروبات والتمر ويوزعها وقت آذان المغرب على الناس في الشوارع والطرقات.

ماجد الراهب يكتب لموروث .. العمارة وتطورها في الدولة القديمة

 

مقال : ماجد الراهب

كانت مصر تمتلك، منذ أقدم العصور الجيولوجية، المقومات البيئية الطبيعية والعناصر الضرورية لتأسيس حضارة محلية عريقة، وهذه العناصر البيئية قد أثرت بدورها في أقدم السلالات البشرية التي استقرت على أرض مصر، كما أثرت في نشأة الحضارة المصرية القديمة وساهمت في نموها بفضل مجهودات الإنسان المصري القديم.

العوامل الجغرافية

لقد كانت علاقة الإنسان ببيئته الجغرافية ذات تأثير متبادل، كما وجد الإنسان مصادر أخرى استغلها لنفعه واستقراره وبناء حضارته مثل المنخفضات التي تحولت لبحيرات. وقد تمتعت مصر بموقع جغرافي متميز حيث تقع بين ملتقى قارات العالم الثلاث مما يسهل لها عمليات الاتصال الخارجي.

إذ تقع في أقصى الشمال الشرقي للقارة الأفريقية وتبلغ مساحتها 3% من مساحة أفريقيا، ولهذا تعتبر مصر جزءًا هامًا في منطقة نشوء حضارات الشرق القديم وبغض النظر عن الترتيب الزمني، كما تحكَّم موقعُها في مواصلات الشرق والغرب مما ساعد على قيام علاقات تجارية مع البلاد المجاورة وبذلك نجد التشابه الكبير في العمارة داخل مصر والبلاد المجاورة لها؛ وخاصة التخطيط المعماري للمساكن والتصميمات الزخرفية المتنوعة والطوب اللبن والبناء على تلال صناعية مرتفعة والعمل على إقامة السدود والقناطر على امتداد مجرى النيل للاستفادة من مياه فيضانه، مما زاد من رقعة الأرض الزراعية وكان من أسباب التوحيد .

العامل الجيولوجي

المصادر والموارد الطبيعية لكل إقليم تحدد سمات الطابع المعماري له؛ فلقد كانت مصر غنية بأحجارها الجيرية والرملية وأيضًا الألبستر والجرانيت والمستخدم بجانب العمائر في التحف الزخرفية، فبالرغم من أن مصر فقيرة في المعادن الأولية، إلا أن وفرة الأحجار المختلفة فيها قد ساعد في تشييد المعابد الضخمة والمقابر ذات الغرف العديدة وإقامة التماثيل الكبيرة، كما استُخدم الجرانيت الأحمر الخشن في صناعة التماثيل الضخمة.

العامل المناخي

لقد استطاع المصري أن يُكيِّف مبانيه بحيث تتواءم مع طبيعة العوامل المناخية السائدة في البلاد؛ فحينما كانت مصر تتميز بوفرة أمطارها خلال عصر ما قبل الأسرات استخدم المصري القديمة الأسقف المائلة التي نرى صداها بحجرات الدفن الملكية بالأهرامات، خاصةً خلال الدولة القديمة. ولقد شهدت الأرض في زمن البلايستوسين أربعة أزمنة مختلفة من الزحف الجليدي على المناطق الشمالية من الكرة الأرضية من ناحية وأربع فترات من الأمطار الغزيرة على النواحي الجنوبية من ناحية أخرى، ومن هنا فلقد وقعت منطقة نشوء الحضارة في مكان وسط بين الزحف الجليدي من الشمال والأمطار من الجنوب مما جعلها تتميز بمناخ معتدل نسبيًا ومن ثم لا تعوق حرية التحرك والانتقال، وكل هذا أدى إلى أن تكون واجهات المعابد غير مخرمة أو مثقوبة بفتحات، مما أضفى قدرًا من الظلمة التي أعطت إحساسًا بالرهبة المطلوبة في المعبد من الناحية الدينية، ولعدم توافر أمطار غزيرة؛ أصبحت الأسقف أفقية دون ميول بل كان يُكتفى باستخدام أسقف سميكة من الحجر تكون عازلة لحرارة الشمس ومياه الأمطار من الشرب، وهنا نلاحظ تكامل في عناصر البيئة المصرية من حيث:

  • توافر المناخ الصالح للإنبات والنمو والحصاد.
  • توافر التربة الخصبة والطمي الغني الذي تجلبه مياه الفيضان.
  • وفرة المياه في كل الأوقات من العام؛ سواءً مياه النيل أو توافر الأمطار الشتوية.
  • وفرة المواد المختلفة اللازمة للإبداع الفني والعناصر المعمارية المختلفة.

العامل الديني

لا يوجد في تاريخ العالم أمه تأصلت فيها الديانة وامتزجت بمياه أهلها مثل مصر، ومن هنا فلقد لعبت التأثيرات الدينية دورها في نشاط العمارة حيث دفعت المصريين إلى الاهتمام بتشييد دور العبادة والعناية بعمارة المقابر باعتبارها بيوتًا خالدة، في حين بُنيت القصور والمساكن من الطوب الني والمحروق باعتبارها بيوت للدنيا الزائلة وان كانوا قد اعتنوا بزخرفة أسقفها وأعلى جدرانها وأحيانًا أرضيتها بما يبعث روح البهجة عليها.

العوامل الاجتماعية

لا يوجد مصادر أساسية يرجع إليها أفضل في معرفتنا بالحياة الاجتماعية أكثر مما نراه محفوظًا من الكتابات والرسوم المدونة على جدران العمائر الفرعونية وكذلك ما جاء في أوراق البردي التي عُثر عليها، ولعل من أجمل الرسوم التي عثر عليها في بعض المقابر القديمة في طيبة وسقارة ما يمثل المصريون في أعمالهم اليومية في الرياضة وفي الصيد وعملهم في الحقل وفي صناعاتهم، وقد كانت صناعات الحرف اليدوية مزدهرة -آنذاك- كالنسيج وصناعة الزجاج والخزف والمعادن وصياغة المجوهرات والأثاث. كما كان لازدهار تلك الصناعات أكبر الأثر في رخاء حياة المصريين بين الأمم وشعوب الأرض، ولعل ما هو موجود في المتحف المصري وفي متاحف العالم المشهورة أكبر دليل على ذلك، ولقد كان هذا التطور دليل على مدى التطور في العمارة.

العامل التاريخي

إن الأحداث التاريخية والأوضاع السياسية كان لها شديد الأثر على النشاط المعماري، كذلك فقد أثرت الأوضاع الخارجية على العمارة في مصر؛ فنلاحظ خلال عصر الدولة القديمة أن البلاد قد شهدت تطورًا معماريًا هائلًا حتى أنه أُطلق على هذه الفترة عصر بناة الأهرام؛ وذلك نظرًا لتشييد أهرام الجيزة الثلاثة، كما نلاحظ أن البلاد خلال هذه الفترة كانت تتمتع بالاستقرار السياسي داخليًا وخارجيًا مما انعكس على خزانة الدولة بالقوة والثراء. وفي عصر الهكسوس شهدت البلاد ركودًا تامًا في مختلف المجالات ومن بينها العمارة، أما في عصر الدولة الحديثة فلقد شهدت البلاد أعظم فترة عرفتها العمارة المصرية القديمة وذلك بعد أن تم طرد الهكسوس من مصر وأصبحت طيبة عاصمةً لها، وزاد الرخاء والازدهار. وبالتوازي مع ازدهار النشاط الخارجي، فقد عمل الملوك على تشجيع إقامة المباني والمنشآت المعمارية.

العوامل التي أثرت على العمارة المصرية القديمة

تكنولوجيا علم البناء

لقد كشفت بحوث الآثار التي امتدت جذورها إلى عصر ما قبل الأسرات أن المصرين القدماء كان لهم الفضل في وضع مثلث تكنولوجيا علم البناء للعالم أجمع، ذلك المثلث الذي تتكون أضلاعه من:

أ. وحدة البناء: وهو قالب الطوب الذي ابتكره المهندس المصري القديم منذ ثمانية آلاف سنة، وأعطاه اسمه (توبتي) وحدد شكله ونسب أبعاده التي احتفظ بها العالم إلى اليوم .

ب. وحدة القياس: ابتداءً من الوحدة الهرمية للذراع المعماري وغيره من وحدات القياس وتقسيمتها العشرية والمئوية واستعمالها في حساب الأبعاد والمسطحات والفراغ، مع ما ارتبط بذلك من نظريات حسابية ورياضية وهندسية بجانب اختراع الأرقام التي حددت بها وحدات القياس وعلوم الرياضيات والهندسة التي وضعت نظريات في العمارة وعلوم الإنشاء، بالإضافة إلى ابتكار وحدات قياس الزمن ابتداءً من السنة الثانية وتقسيماتها التي نقلها عنه العالم أجمع ولم يحاول تغييرها إلى اليوم.

جـ. وحدة التشكيل: ابتداءً من الخط المستقيم بمختلف الزوايا والدوائر والمنحنيات وتشكيلاتها الهندسية وما ارتبط بها من علوم حساب المثلثات والهندسة الوصفية والعلوم التشكيلية.

أهم مميزات العمارة المصرية القديمة

 تتميز العمارة المصرية في أقدم عهودها بالبساطة والضخامة والعظمة التي تُشعِر بالقوة والاستقرار وتتجلى روح البساطة هذه في أهرامات الجيزة وهرم سقارة المدرج ومعبد أبو الهول، على أن هذه البساطة كانت مقرونة بالجمال والانسجام كما كانت مقرونة بعلمٍ واسعٍ بهندسة البناء وحساب الضغط ومقاومة الأجسام وغير ذلك من أحوال العمارة، حيث اعتمد المصريون اتجاهًا جديدًا وهو الاتجاه إلى تذوق الطبيعة والتأثر بعناصر الحياة والحركة، ولنا أن نلمس ذلك الاتجاه الجديد في مبانيهم وتماثيلهم، والإضاءة الطبيعية للمعابد وذلك عن طريق جعل الأعمدة الوسطى أعلي كثيرًا من الأعمدة الجانبية، وكان من نتيجة ذلك أن السقف عند الجانبين يكون أكثر انخفاضًا عنه في الوسط وبذلك يدخل الضوء من خلال الفتحات الجانبية، وهذا الضوء يكون شديد السطوع عند الفتحات ثم ينتشر في باقي أجزاء المعبد، بالإضافة إلى زيادة سُمك الحوائط الخارجية وميلها للداخل من أعلى حيث كانت الحوائط تُبنى بسُمك يقل في العرض كلما ارتفع البناء بحيث يبقي سطح الحائط من الداخل عموديًا ويصبح السطح الخارجي مائلًا؛ مما يُزيد من قوة الحائط وثباته، وهذه هي أهم نظرية لمقاومة الزلالزل ومقاومة الأحمال وقد تمسك المصريون القدماء بطريقة زيادة سُمك الحوائط الخارجية وميلها للداخل من أعلى وأصبحت علامة مميزة للعمارة الفرعونية، كل ذلك مع استعمال الأشكال الهندسية المتجاورة أو المتداخلة فيصبح المبنى منظمًا تنظيمًا سليمًا وتنتشر أجزاء المبنى يمينا ويسارًا للداخل، وبتعدُّد هذه الأجزاء والوحدات واتساعها تتحدد مساحة المبنى أو المعبد.

أولًا: العمارة الجنائزية

كان هناك نوعان من العمارة: الأولى عمارة الخلود والتي تخدم العقائد والمعتقدات وتتمثل في المقابر والمصاطب والأهرامات والمعابد التي أطلق عليها القدماء المصريين أنفسهم اسم “عمارة العالم الآخر”. ولقد اهتم المصري القديم باستعمال الأحجار في المباني الخاصة بالعالم الآخر منذ بداية عصر الأسرة الأولى، فنلاحظ أنه في إحدى مقابر أبيدوس تم إعداد الأرضية من كتلٍ ضخمة من الجرانيت سُويت ورُبِّعت قليلًا حتى تلائم الفراغ، علي أن أول استعمال فعلي للحجر في البناء لم يتم إلا في الأسرة الثانية وفي الأسرة الثالثة، ثم تزايد هذا الاستخدام عند إقامة المجموعة الهرمية كاملةً من الحجر في عهد الملك زوسر، ولقد بدأت المقابر في بداية الأسرة خلال عصر الأسرتين الأولي والثانية في هيئة مصطبة تضيق كلما اتجهنا لأعلى، ثم تطورت فيما بعد إلى ذلك الشكل الهرمي المدرج (المصطبة المدرجة) في عهد الأسرة الثالثة من حكم الملك زوسر والتي كانت عبارة عن سبع مدرجات تعلو بعضها البعض، ومع بداية عصر الأسرة الرابعة شهد مجال العمارة تطورًا كبيرًا وخاصة العمارة الدينية؛ فنلاحظ اكتمال الشكل الهرمي ويتضح ذلك من خلال أهرامات الجيزة الثلاثة، وقد استمرت تلك الأشكال الهرمية أيضًا في عصر الدولة الوسطى، ثم جاءت مقابر عصر الدولة الحديثة والتي تميزت بالعديد من الملامح الفنية الجديدة، وتمثلت في الآتي :

أـ التخلي عن الشكل الهرمي للمقبرة: وهي برغم ضخامة وتأمين ممراتها وحجراتها الداخلية، إلا أنها كانت ظاهرة أمام من تسول لهم أنفسهم العبث بمقابر الأسلاف، فعبثوا ما شاء لهم العبث .

ب. اختيار موقع جبلي موحش بعيدًا عن كل مظاهر الحياة .

جـ. الفصل ما بين المقبرة والمعبد: حيث أن الربط يحدد موقع المقبرة، ومن ثم يُسهل الأمر على اللصوص، ولهذا اختير أن تُقام لهم مقابر في الصخور في غرب طيبة بوداي الملوك .

ثانيًا: العمارة المدنية

كانت المساكن تُشيَّد من الطين وأغصان الأشجار، ثم من الطوب اللبن بعد ذلك، ولدينا مثال واضح من الأسرة الثانية عشر فى منطقة اللاهون، والتي كان يحيط بها سور سميك وكانت مقسمة لأحياء تفصل بين بيوتها شوارع ضيقة.

أهم العناصر المعمارية في العمارة المصرية

الأعمدة: وقد تم إقامتها في بادئ الأمر من قوائم بوص أو جريد مربوطة عرضيًا بأعواد نباتية وقد مُلئت الفراغات كما صُنعت لها طبقة من الخارج بمادة الطين ثم أستبُدلت بعد ذلك بالأحجار، والأسقف: وقد استعملت في المباني لحمايتها من الداخل من عوامل الطبيعة الخارجية كالشمس والمطر أو بناء طوابق فوقها، وعلى هذا فقد استعمل المصري جذوع النخل في التسقيف في بعض الحالات التي فوقها أحمال واستعمل البوص أو الجريد في الأحوال التي لا يلزم وضع أحمال فوقها فوضع البوص في اتجاهين متعامدين لتغطية الغرف كما كساها المصري القديم بطبقة من الطين، ويمكن أن نقارن هذه الطريقة بأسقف الخرسانة المسلحة في التسليح الطولي والعرضي أو ما يسمى “الفرش والغطاء”، وهناك الحوائط: وقد كان المصري القديم، بل وما زال المصري، يستعمل في بعض الأحيان لبناء الحوائط -وخاصةً الأسوار- قوائم من الجريد أو البوص ممسوكة بعوارض من نفس المادة كما تُصنع لها طبقة من الطين، وهي المرحلة التي ظهر بعدها البناء الحجري.

المهندسون المصريون: وظائفهم وأعلامهم

لقد لعب المهندسون دورًا هامًا في التشييد بالحجر وتجهيز القصور والمنازل واكتشاف الأعمدة بطرزها المختلفة التي انتقلت فيما بعد إلي أوروبا لتصبح نواة العمارة اليونانية الرومانية، كما أنهم قدموا لنا شكلًا ثابتًا لقالب الطوب وقياساته، والذي يستخدمه العالم حتى الآن، كما قدموا الأسس الأولية لأساليب الإنشاء الجاهز وسابق التجهيز، حيث ظهرت نماذج الأبواب والنوافذ والوحدات الجاهزة للأعتاب وممرات الأسقف وبلاطات الأرضيات. ولعل من أشهر هؤلاء المهندسين “أيمحتب” الذي عاش في عصر الدولة القديمة، و “سنموت” خلال عصر الدولة الحديثة.

أيمحتب

لقد أرتبط اسم “أيمحتب” بمجموعة الملك زوسر في الدولة القديمة خلال عصر الأسرة الثالثة، فلقد تمت في عهد هذا الملك، وفي إطار تشييده للهرم، ثلاث محاولات كبيرة في تشييد المقابر، وأحدث تغيرًا جذريًا في فن العمارة يتمثل في استخدام الحجر على نطاق واسع وهو ما لم يكن معهودًا من قبل؛ حيث كان الطوب اللبن هو مادة البناء الأساسية، كما مثلت هذه التجربة بداية اتخاذ المقبرة للشكل الهرمي، حيث انتقل “أيمحتب” بجزئها العلوي من شكل المصطبة “المستطيبة” إلى هيئة الهرم المدرج.

سنموت

من أعظم فترات مصر من حيث السلام والرخاء الاقتصادي والهدوء السياسي والديني هي فترة حكم الملكة “حتشبسوت” والتي أصبحت فيها هي المتحكمة الأولى والمسيطرة على مقاليد الحكم بمساعدة بعض الموظفين والكهنة الذين كانوا يريدون مزيدًا من الألقاب والامتيازات والثراء المادي، ومن الذين ساعدوها في هذه الأمور النبيل “سنموت” الذي كان على رأس رجال دولتها وموظفيها، وقد كانت من أهم التطورات التي أحدثها “سنموت”؛ بناؤه معبد الملكة “حتشبسوت” كمعبد فريدٍ في طرازه؛ إذ تم بناؤه بطريقة المدرجات، فكان يحتوي على ثلاثة مدرجات يعلو كل منهم الآخر، وهو يعتبر المعبد المصري الوحيد الذي اتخذ هذا الطراز المعماري الفريد.

الاثنين، 5 مايو 2025

مستشار وزير الثقافة في حوار خاص لموقع «موروث»: التمسك بالتراث يسهم في تقليل الاغتراب النفسي والانفصال عن الجذور

وزارة الثقافة تتحمل العبء الأكبر للحفاظ على التراث غير المادي، والسياحة والآثار تتحمل مسئولية التراث المادي

                                          محرر مورورث في حديثة مع مستشار وزير الثقافة، الدكتورة نهله إمام

حوار: محمد عبدالله

أكدت مستشار وزير الثقافة، الدكتورة نهله إمام، على أن هناك علاقة بين التراث والهوية المصرية وهذه العلاقة متجذرة وفي ظل تسارع التغيرات الاجتماعية والثقافية، فإن قضية الهوية الوطنية في مصر وثيقة الارتباط بالتراث الشعبي، بوصفه ذاكرة الأمة ومرآتها الثقافية.

وأضافت إمام أن التراث هو روح الهوية المصرية مشيرة إلى أن المتخصصين في مجال الثقافة الشعبية يؤكدون على أن الهوية المصرية ليست كيانًا جامدًا، بل هي بنية مركبة تتشكل من الدين، الثقافة، اللغة، الانتماء، والتقاليد.

واستطردت إمام في حديثها إلى أن هناك شرائح لا تزال تنظر إلى التراث باعتباره “رواسب الماضي”، بينما أثبتت التجارب أن التمسك بالتراث يسهم في تقليل الاغتراب النفسي والانفصال عن الجذور.

وتابعت مستشار وزير الثقافة كلامها قائلة: إن التراث بما يتضمنه من عادات وفنون ومعارف وممارسات، يلعب دورًا محوريًا في هذا التكوين، باعتباره ما يميز الجماعة البشرية في زمان ومكان محددين مؤكدة على أن الدراسات تشير إلى أن التراث لا يُعد نقيضًا للتقدم، بل يمكن أن يكون دعامة له، كما هو الحال في تجارب دول مثل اليابان، التي استطاعت أن تمزج بين الحداثة والتقاليد، وسجلت معظم عناصر تراثها غير المادي لدى اليونسكو.

وعن دور الدولة في الحفاظ على التراث تقول: “تضطلع الدولة المصرية بعدد من الأدوار المركبة في حماية التراث، وعلى رأسها تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية التراث في تشكيل الهوية الوطنية. كما تعمل الدولة على تمكين الأقليات، مثل النوبيين والأمازيغ، من ممارسة تراثهم في مناخ آمن، ما يعزز شعورهم بالانتماء ويؤكد شمولية الهوية المصرية. وفي السياق ذاته، تولي الدولة اهتمامًا بالترويج للتراث من خلال مهرجانات الفنون الشعبية، ودعم الإعلام الثقافي، وتكثيف النشر في مجالات الفلكلور والدراسات الشعبية.

وعن دور الدولة في الرعاية الاجتماعية للعاملين في التراث الشعبي، خاصة الفنانين والممارسين غير المنتظمين ومنهم حملة السيرة والمغنين الشعبيين؛ تقول مستشار وزير الثقافة إن الدولة تسعى لدمج العاملين والمهتمين بالتراث الشعبي وتضعهم ضمن مظلة التأمينات والمعاشات، إيمانًا بأن تأمين حياة كريمة لهم هو ضمان لاستمرارية الموروثات القيمة وانتقالها بين الأجيال.

وعن العبء الذي تتحمله وزارتي الثقافة والسياحة؛ تؤكد د. نهلة على أنه وفقًا للدستور المصري، فإن العبء مشترك بين الوزارتين لكن وزارة الثقافة يقع عليها العبء الأكبر في صون التراث غير المادي، بينما تتولى وزارة السياحة والآثار مسؤولية التراث المادي، كما يجري التعاون بين الوزارتين في عدة مناسبات، مثل إقامة مهرجانات شعبية في المواقع الأثرية، بما يعكس تضافر الجهود الحكومية في هذا المجال.

وعن دور منظمات المجتمع المدني في الحفاظ على التراث المصري تقول د. نهلة: “لا يقتصر الجهد على المؤسسات الرسمية، إذ يوجد في مصر عدد كبير من الجمعيات الأهلية المعنية بالتراث والتي تسعى الدولة جاهدة لإنشاء قاعدة بيانات موحدة لها لتسهيل الدعم والتنسيق. مشيرةً إلى أن بعض هذه الجمعيات معتمد لدى اليونسكو، وتُشرك الدولة في بعض المعارض والمهرجانات.

وفي نهاية حديثها أوصت د. نهلة الجهات الحكومية بضرورة إدماج التراث في التعليم، سواء في المناهج، أو الأنشطة، أو الحرف والفنون، وذلك لضمان نقل الهوية الثقافية بشكل حي وفعال للأجيال القادمة.

فيديو موروث يستعرض تقريرًا بعنوان “خيامية القاهرة: فن تراثي يصارع من أجل البقاء”

 


في قلب شوارع القاهرة القديمة، وبين أزقتها ا التي تنبض بالتاريخ، لا تزال أنامل مصرية بارعة تُبدع في واحدة من أعرق الحرف التقليدية: الخيامية. تلك الفنون اليدوية التي لطالما زينت الموالد والاحتفالات، وتجاوزت حدود الزمان لتروي قصة تراثٍ عريق.

في هذا التقرير، نقترب أكثر من صُنّاع الخيامية، نتحدث معهم عن واقع مهنتهم اليوم، نستمع إلى أحلامهم، مخاوفهم، والتحديات التي تهدد هذا الفن الأصيل بالاندثار. ما الذي يواجهونه في ظل التطور الصناعي والعزوف المجتمعي عن الحرف اليدوية؟ وكيف يحاولون الحفاظ على موروثهم وسط هذه المتغيرات؟

دعونا نستعرض معًا حكاياتهم، من داخل الورش، وبين قطع القماش الملونة، حيث يختلط الفن بالمعاناة، ويظل الأمل في البقاء حاضرًا رغم كل الصعوبات.






































كهف وادي السنور ببني سويف. تراث بلوري في باطن الأرض. وكنز طبيعي في قلب بني سويف


 

كتب: أحمد طه وعبدالرؤوف محمد

في قلب الصحراء الشرقية بمحافظة بني سويف، وعلى بُعد كيلومترات قليلة من ضجيج المدن، يوجد أحد أندر كنوز الطبيعة في العالم، كهف وادي السنور، الذي يُعد قطعة نادرة من الجمال الجيولوجي والتراث الطبيعي الفريد.

هذا الكهف، الذي تكوّن عبر ملايين السنين بفعل المياه الجوفية، يضم تكوينات صخرية نادرة من حجر الألباستر البلوري، لا مثيل لها سوى في كهف مشابه بولاية فرجينيا الأمريكية، مما يجعله من أهم المعالم الطبيعية على مستوى العالم، وأيقونة مصرية مهملة رغم قيمتها العلمية والسياحية.

لم يعتبر الجيولوجيون كهف وادي السنور مجرد تجويف في باطن الأرض، بل يعتبرونه سجل جيولوجي حي يحكي قصص الزمن السحيق، وهو فرصة ثمينة لو أُحسن استثمارها لتحول إلى مقصد للسياحة البيئية والتعليمية، بما يعزز من حضور التراث الطبيعي المصري عالميًا، ويفتح آفاقًا جديدة للتنمية المستدامة في صعيد مصر.

يقع الكهف على بعد حوالي 70 كيلومتر شرق مدينة بني سويف، وتم اكتشافه بالصدفة في عام 1992 أثناء عمليات استخراج الرخام، ليصبح منذ ذلك الحين وجهة مهمة للعلماء والمستكشفين على حد سواء.

كهف وادي السنور، المعروف أيضا باسم “كهف الوحوش”، يدهش الزائرين بتكويناته الجيولوجية الرائعة التي تعود إلى أكثر من 40 مليون سنة، جدرانه مزينة بصواعد ونوازل بلورية تأخذ أشكالا مبهرة تتراوح بين الشفافية والصلابة، تشكلت بفعل المياه الجوفية التي تسربت عبر الصخور الكلسية على مر العصور. هذه التكوينات الطبيعية ليست فقط جميلة، بل تحمل أيضا سجل دقيق لتاريخ الأرض يمكن للعلماء دراسته لفهم التحولات المناخية والجيولوجية التي مرت بها المنطقة.

لا تتوقف القيمة الجمالية لكهف وادي السنور عند تكويناته البلورية فقط، بل تمتد إلى الرسوم والنقوش الصخرية التي تزين جدرانه. هذه الرسوم تعكس حياة الإنسان القديم وتفاعله مع البيئة المحيطة، حيث تصور مشاهد الصيد والحيوانات التي كانت تجوب المنطقة، مما يوفر لنا لمحة نادرة عن الحياة البدائية في مصر القديمة.

تحمل جدران الكهف صور لعدد من الوحوش التي كانت جزءا من بيئة الإنسان القديم، ومن هنا جاء اسم “كهف الوحوش”. هذه النقوش ليست مجرد رسومات، بل هي وثائق تاريخية تخبرنا عن أساليب الحياة والتقاليد والثقافة التي سادت قبل آلاف السنين.

بالإضافة إلى ذلك، يُعتبر كهف وادي السنور موطن لأنواع نادرة من الكائنات الحية التي تكيفت مع البيئة القاسية داخله، مما يزيد من أهميته البيئية والعلمية. وتساعد دراسة هذه الكائنات العلماء على فهم كيفية تكيف الحياة مع الظروف القاسية، وتوفر رؤى قيمة حول التنوع البيولوجي والتكيفات البيئية.

هذا الطراز ليس مجرد معلم أثري أو موقع طبيعي، بل هو نافذة مفتوحة عبر الماضي، وجسر يربطنا بالعصور السحيقة. زيارة كهف وادي السنور تجربة تأخذ الزائرين إليه في رحلة عبر الزمن، هذه الزيارة تثري الروح وتشعل الخيال، مما يجعل من هذه الزيارة تجربة فريدة لا تُنسى.

«شارع المعز» .. متحف مفتوح يحكي ألف عام من الحضارة الإسلامية في قلب القاهرة

 

تقرير: أحمد طه وعبدالرؤوف محمد

يعد شارع المعز لدين الله الفاطمي من أبرز الشوارع التاريخية في القاهرة، حيث يربط ماضي المدينة بحاضرها. ويُعد هذا الشارع شاهداً حياً على عصور متتالية من الحضارات، من الفاطميين إلى المماليك، ويحتوي على العديد من المعالم التاريخية والمعمارية التي تعكس جمال وعراقة التراث الإسلامي. فقد كان شارع المعز في يوم من الأيام مركزاً للثقافة والاقتصاد والسياسة في قلب القاهرة، وما زال يحتفظ بروح الأصالة والتراث من خلال مبانيه الأثرية ومساجده ومدارسه التي تجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم. هذا التقرير يستعرض علاقة هذا الشارع العريق بالتراث المصري الإسلامي، ويكشف عن الدور الكبير الذي يلعبه في الحفاظ على الهوية الثقافية للمدينة.

يرجع تاريخ شارع المعز إلى عصر الخليفة الفاطمي المعز لدين الله (341-365هـ/ 953-975م)، والذي حكم مصر في الفترة ما بين (358-365هـ/ 969-975م) كأول الخلفاء الفاطميين لمصر. يعد الشارع حاليًا أكبر متحف مفتوح للآثار الإسلامية في العالم، وموقع تراثي فريد تم إدراجه على قائمة مواقع التراث العالمي في عام 1979م.

 تغيرت مسميات الشارع على مر العصور التاريخية، حتى عُرف بشارع المعز منذ عام 1937م تكريمًا له كمنشئ للقاهرة.

يمتد الشارع بين بابين من أسوار القاهرة القديمة من باب الفتوح شمالًا حتى باب زويلة جنوبًا، مرورًا بعدة حارات وشوارع تاريخية عريقة من أشهرها شارع أمير الجيوش، الدرب الأصفر، حارة برجوان، خان الخليلي، والغورية.

 ويضم الشارع مجموعة من أروع آثار مدينة القاهرة يصل عددها إلى تسعة وعشرين أثرًا تعكس انطباعا كاملًا عن مصر الإسلامية في الفترة من القرن العاشر حتى القرن التاسع عشر الميلادي، والتي تبدأ من العصر الفاطمي بمصر (358-567هـ/ 969- 1171م) حتى عصر أسرة محمد علي (1220- 1372هـ/ 1805-1953م). وتتنوع الآثار الموجودة ما بين مباني دينية وسكنية وتجارية ودفاعية، واليوم تصطف الأسواق ومحلات الحرف اليدوية التقليدية على طول الشارع مما يضيف إلى سحر الشارع التاريخي.  

يرصد موقع موروث أبرز الأماكن الثراثية في شارع المعز وهي :

مدرسة وقبة الصالح نجم الدين أيوب

واحدة من أهم المنشآت المعمارية الباقية من العصر الأيوبي، تقع في منطقة بين القصرين من شارع المعز لدين الله. عُرفت بالمدرسة الصالحية حيث بدأ في إنشائها السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب في عام 641هـ/ 1243م. تعد هذه المدرسة هي الأولى من نوعها لتدريس المذاهب السنية في مصر حيث أنشئت لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة بدلًا من المذهب الشيعي الذي كان يدرسه الفاطميون من قبل، وكان لكل مذهب مكان خاص بداخل المدرسة.  من أهم ما يميز هذه المدرسة احتفاظ واجهتها الرئيسية بزخارفها الفنية ومئذنتها المميزة التي تعلو المدخل، ولم يتبق من المدرسة حاليًا سوى الإيوان الغربي (إيوان المذهب المالكي)، ويرجع تاريخ إنشاء القبة الضريحية الملاصقة للمدرسة إلى عام 647هـ/ 1249م والتي شيدتها السلطانة شجر الدر زوجة الملك الصالح وذلك بعد وفاة زوجها خلال الحروب الصليبية في المنصورة، الذي دُفن في قلعة الروضة إلى أن اكتمل بناء القبة ونقل إليها في عام 648هـ/ 1250م، وللقبة واجهة واحدة رئيسية بها مدخل على شارع المعز يعلوه لوحة تحمل كتابات تشير إلى تاريخ وفاة الملك الصالح. تمثل المقصورة الخشبية بداخل القبة نموذج فريد من نوعه للتحف الخشبية في العصر الأيوبي بزخارفها الكتابية المحيطة بها.

سبيل وكتاب عبد الرحمن كتخدا



يقع هذا السبيل عند تقاطع شارع المعز مع شارع التمبكشية، شيده الأمير عبد الرحمن كتخدا القازد علي سنة 1157هـ/ 1744م، وكان أحد قادة الجيش في العصر العثماني بمصر، وكان مهتمًا بتشييد العمائر المتنوعة بمدينة القاهرة.

يقع المدخل الرئيسي للسبيل بشارع التمبكشية على يسار الواجهة القبلية. يعلو باب الدخول لوحة كتابية عبارة عن أبيات من الشعر واسم المنشئ وتاريخ الإنشاء بطريقة حساب الجمل، كما يوجد أيضًا مساحة مربعة بداخلها دائرة بها كتابات لأسماء أصحاب الكهف أسفل طاقية العقد.

يتكون السبيل من غرفة التسبيل وهي مستطيلة الشكل لها ثلاث واجهات بكل منها شباك نحاسي يتقدمها ألواح رخامية من الخارج مخصصة لوضع كيزان الشرب لسقاية المارة. غُطيت جدران السبيل من الداخل بالبلاطات الخزفية (القاشاني)، والتي تنوعت زخارفها بين الزخارف النباتية العثمانية، ورسم للحرم المكي، بالإضافة إلى الزخارف الكتابية ومنها “كلما دخل عليها زكريا المحراب”، “يا مفتح الأبواب افتح لنا خير الباب” وغيرها من الكتابات. يعلو السبيل كُتّاب لتعليم أيتام المسلمين القرآن الكريم والأحاديث الشريفة.

مدرسة وخانقاه السلطان الظاهر برقوق


أنشأها السلطان الظاهر برقوق ما بين عامي (786-788ھ/1384-1386م)، وتقع هذه المجموعة بشارع المعز وتتوسط أحد أكبر مجموعات التراث المعماري في العالم. للمنشأة وظائف خيرية دينية، حيث كانت تستخدم كمدرسة لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة ومسجد وخانقاه للصوفية، وبها قبة ضريحيه دُفن بها والده وعدد من زوجاته وأبنائه.

تتكون المدرسة من صحن مكشوف تحيط به أربعة إيوانات أكبرهم الإيوان الجنوبي الشرقي الذي يحتوي على محراب رخامي ومنبر خشبي وكرسي المصحف ودكة المبلغ. كما ألحق بالمنشأة وطبقات للصوفية وغرف للطلبة ومطبخ ودورة مياه وحظيرة للدواب كمنشأة خدمية للمدرسة. ويعلو واجهة المدخل مئذنة قمتها على الطراز المملوكي.

 وتعد المنشأة تحفة معمارية رائعة بكل ما فيها من عناصر معمارية وزخرفية. ويميز المنشأة النصوص الكتابية النسخية التي تحتوي على آيات قرآنية، واسم المنشئ وتاريخ الإنشاء، كما تتميز أيضًا بالتكيسات الرخامية الملونة وسقف إيوان القبلة بزخارفه الرائعة

باب النصر


يعد باب النصر أحد أبواب السور الشمالي لمدينة القاهرة، ويفتح على شارع الجمالية. شُيد في عهد الخليفة المستنصر بالله على يد وزيره قائد الجيوش بدر الجمالي سنة 480هـ/ 1087م للدفاع عن مدينة القاهرة الفاطمية. وقد شُيد من الحجر، عوضًا عن التي شيدها جوهر الصقلي بالطوب. على الرغم من وجود اسم “باب العز” في النص التأسيسي المنفذ بالخط الكوفي أعلى البوابة بدقة وبراعة، إلا أنه ظل محتفظًا بالاسم القديم “باب النصر” وهي التسمية التي ما زالت تطلق عليه حتى الآن.

وأهم ما يميز برجي الباب أنهما اتخذا شكلًا مربعًا كما نُقش على أحجارهما رسوم تمثل بعض أدوات القتال من دروع وسيوف، والتي ترمز إلى حماية المدينة.

باب الفتوح


يعد باب الفتوح واحدًا من أندر أمثلة العمارة العسكرية في العالم الإسلامي قبيل الحروب الصليبية أسوة بمثيله باب النصر وباب زويلة. يقع عند بداية شارع المعز الذي ينتهي ببوابة زويلة. بُني في عهد الخليفة المستنصر بالله على يد وزيره قائد الجيوش بدر الجمالي بغرض الدفاع وحماية المدينة سنة 480هـ/ 1087م بالسور الشمالي لمدينة القاهرة الفاطمية ويفتح على شارع المعز.

وعلى الرغم من نقش اسم “باب الإقبال” بالنص التأسيسي للباب، إلا أنه ظل محتفظًا بالاسم القديم “باب الفتوح” وذلك نسبة لخروج الجيوش من تلك البوابة للفتوحات، وهي التسمية التي مازالت تطلق عليه حتى الآن.

 شيد برجيه على هيئة نصف دائرية، وأهم ما يميز البوابة العقد الذي يتوجها حيث زُين بشبكة من المعينات المتداخلة وقد شغل كل معين بزخارف منحوتة، يعلوها صف من الكوابل (حامل حجري)، بالإضافة إلى الفتحات الموجودة بأرضية الممر الواصل بين البرجين التي صُممت لصب الزيت المغلي منها على العدو عند تعرض المدينة للهجوم.

جامع الحاكم بأمر الله

يعتبر جامع الحاكم بأمر الله رابع أقدم المساجد الجامعة الباقية بمصر، وثاني أكبر جوامع القاهرة اتساعا بعد جامع أحمد ابن طولون. أمر بإنشائه الخليفة العزيز بالله الفاطمي في سنة 380هـ /990م وتوفي قبل إتمامه فأتمه ابنه الحاكم بأمر الله 403هـ/ 1013م.

 يقع الجامع حاليًّا بنهاية شارع المعز لدين الله الفاطمي بحي الجمالية بجوار باب الفتوح. حيث كان المسجد وقت تشييده خارج أسوار القاهرة القديمة التي شيدها جوهر الصقلي، ثم أصبح داخل حدود المدينة بعد أن قام بدر الجمالي (480هـ/ 1087م) بتوسعة المدينة وتشييد الأسوار الحالية، ويمثل المدخل الرئيسي البارز بالواجهة الغربية أقدم أمثلة المداخل البارزة بمصر حيث أخذ الفاطميون فكرته من مسجد المهدية في تونس. وقام جامع الحاكم  بأمر الله بنفس الدور الذي كان يقوم به جامع الأزهر في ذلك الوقت من حيث كونه مركزًا لتدريس المذهب الشيعي.

أما عن تخطيط الجامع فهو مستطيل الشكل، ويتكون من صحن أوسط مكشوف تحيطه أربع أروقة ويعلو واجهته مئذنتين، وقد تعرض الجامع للعديد من عمليات الترميم على مر السنين، للمسجد تاريخ مثير للاهتمام حيث اتخذته الحملة الفرنسية مقرًا لجنودها واستخدمت مئذنتيه كأبراج للمراقبة. وقد استخدم رواق قبلته كأول متحف إسلامي بالقاهرة أطلق عليه دار الآثار العربية.

جامع الأقمر



يقع الجامع بشارع المعز لدين الله، وأنشأه الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله سنة 519هـ/ 1125م، وقد تولى أمر البناء الوزير المأمون البطائحي، وتم تجديده في عهد السلطان برقوق عام 799هـ/ 1397م على يد الأمير يلبغا السالمي.

تعد الواجهة الرئيسية للجامع واحدة من أقدم الواجهات الحجرية الباقية بمصر، وقد اهتم المعمار ببنائها وزخرفتها بدخلات من عقود مشعة وعبارات شيعية أهمها تكرار كلمتي “محمد وعلي”، بالإضافة إلى كتابات بالخط الكوفي عبارة عن آيات قرآنية.

 وظهرت براعة المهندس في تنسيق الواجهات لتتفق مع اتجاه الطريق، وكذلك مراعاة اتجاه القبلة من الداخل. وعند بناء المتحف القبطي في القرن العشرين تم تصميم واجهته على نسق واجهة الجامع مع وضع العبارات المسيحية والصلبان بدلًا من العبارات الإسلامية، ويتكون الجامع من صحن (فناء) أوسط مكشوف يحيط به أربعة أروقة مغطاة بقباب ضحلة (قليلة العمق) أكبرها رواق القبلة، ويتوسط جدار القبلة محراب يعلوه لوحه تسجل التجديدات التي أجراها الأمير يلبغا السالمي.

بيت السحيمي


يقع في حارة الدرب الأصفر في منطقة الجمالية المميزة في شارع المعز، ويعد من أجمل بيوت مدينة القاهرة. أقام هذا البيت الشيخ عبد الوهاب الطبلاوي في سنة 1058هـ/ 1648م، وأنشأ القسم الثاني منه الحاج إسماعيل جلبي في سنة 1211هـ/ 1796م، وقام بدمجه بالقسم الأول ليصبح بيتًا واحدًا. وعُرف البيت بالسحيمي نسبة إلى آخر من سكنه الشيخ السحيمي وهو من كبار علماء الأزهر وشيخ رواق الأتراك في العصر العثماني. وفي سنة 1349هـ/ 1931م باع ورثة السحيمي هذا البيت إلى لجنة حفظ الآثار العربية بمبلغ ستة آلاف من الجنيهات.

 يحتوي البيت على عدة مباني تطل على فناء واسع وحديقة خلابة بمجموعة من المشربيات الخشبية الرائعة، ويحتوي على مقعد كبير وقاعات استقبال فريدة من نوعها مجهزة بأثاث يمثل روح العصر الذي بني فيه، ومن أهم العناصر الموجودة بالبيت كرسي الولادة، حمام، عدة آبار توفر المياه للبيت بالإضافة إلى ساقية مياه تستخدم لري الحديقة ومازال ترسها الخشبي موجودًا إلى اليوم، وطاحونة للحبوب تدار عن طريق ثور ومجموعة من الأواني الفخارية والحجرية لحفظ الحبوب.

باب زويلة


هو أحد أبواب أسوار مدينة القاهرة الفاطمية من الجهة الجنوبية. أنشأه الوزير بدر الجمالي في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله عام 485هـ/1092م. أي بعد بناء بابي النصر والفتوح في الجهة الشمالية بحوالي خمس سنوات تقريبًا، وهذه الأبواب الثلاثة خير دليل باقي على عظمة العمارة الحربية بمصر في العصر الفاطمي.

يبلغ عرض هذا الباب حوالي 4.82 م، حيث يحيط به من الجانبين برجان مستديران يحصران بينهما مدخل باب زويلة. بعد مرور قرابة 300 عامًا استغل السلطان المملوكي المؤيد شيخ قاعدتي البرجين لبناء مئذنتي مسجده الملاصق للباب عام 818-824هـ/ 1415-1421م، ترجع تسمية الباب بهذا الاسم نسبة إلى قبيلة زويلة التي وفدت من شمال أفريقيا برفقة قائد الجيوش الفاطمية جوهر الصقلي، واستقرت قبيلة زويلة بالقرب من الباب. كما عُرفت أيضًا باسم “بوابة المتولي” لأن متولي الحسبة والشؤون المالية كان يجلس هنا لتحصيل الضرائب.

شهدت الساحة أسفل الباب على مر العصور مواكب واحتفالات وأحداث تجارية وتاريخية أبرزها، عندما قام السلطان سليم الأول العثماني بشنق السلطان الأشرف طومان باي آخر سلاطين المماليك في مصر، والتي كانت إيذانًا بانتهاء الدولة المملوكية عام 923هـ /1517م، وخضع الباب لأول عملية ترميم في تسعينيات القرن الماضي من قبل لجنة حفظ الآثار العربية. ثم استطاع المجلس الأعلى للآثار بالتعاون مع مركز البحوث الأمريكي بمصر أن يعيد للباب رونقه مرة أخرى، وذلك ضمن مشروع ترميم على مدار خمس سنوات

 حمام السلطان إينال


أنشأه السلطان الملك الأشرف أبو النصر سيف الدين إينال عام 861 ھـ/ 1456م ضمن منشآت الرعاية الاجتماعية التي تخدم العامة في العصر المملوكي. يتبع حمام السلطان إينال تخطيط الحمامات الإسلامية، حيث يتكون من مدخل منكسر يؤدي الممر إلى الحجرة الباردة موضع خلع الملابس للاستعداد للاستحمام، يتخللها عدد من مقاعد للجلوس وخِزانات لحفظ المتعلقات الشخصية.

ومن ثم ينتقل المستحم إلى الحجرة الدافئة لتناول المشروبات والاسترخاء قبل الدخول إلى الحجرة الساخنة “المغطس”. بالإضافة إلى مراعاة أن يتم الخروج من خلال المرور بتلك الحجرات بطريقة عكسية بحيث تتم تهيئة درجة حرارة الجسم عند الدخول والخروج.

استخدم المعماري المسلم القباب الضحلة بكل من الحجرة الباردة والساخنة للمحافظة على دورة الهواء الساخن، كما تم تزويد القباب بفتحات من الزجاج الملون لإضاءة المكان. تتدفق المياه إلى الحمام من خلال بئر متصل بساقية لرفع المياه إلى المستوقد المتواجد خلف الحمام، حيث تُجمع فيه القمامة كوقود ويشعل بها النيران لتسخين المياه في وعاء ضخم ليتم ضخها إلى حجرات الحمام المختلفة عبر مجموعة من الأنابيب الفخارية والصنابير المعدنية.